في خضم التحولات الاجتماعية والاقتصادية التي يشهدها المغرب، تبرز فئة الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 15 و25 سنة، غير المنخرطين في التعليم أو التكوين أو سوق الشغل، كواحدة من أبرز التحديات التي تواجه السياسات العمومية، غير أن النظر إلى هذه الفئة باعتبارها مجرد عبء اجتماعي أو اقتصادي يغفل حقيقة أساسية، وهي أنهم يمثلون طاقة بشرية هائلة وثروة وطنية قادرة على الإسهام في التنمية إذا توفرت لها فرص التأهيل والإدماج،
فالشباب، بطبيعتهم، يمتلكون القدرة على التعلم والتكيف والابتكار، لكن غياب الفرص وضعف المواكبة قد يدفعانهم إلى دائرة الإقصاء وفقدان الأمل، وعندما يظل الآلاف خارج منظومة التعليم والتكوين وسوق العمل، فإن المجتمع لا يخسر فقط طاقات إنتاجية، بل يواجه أيضا مخاطر اجتماعية متزايدة قد تنعكس على الاستقرار والتماسك المجتمعي،
وتزداد هذه الإشكالية تعقيدا في ظل الثورة الرقمية وهيمنة وسائل التواصل الاجتماعي، التي أصبحت تؤدي دورا محوريا في تشكيل وعي الشباب وصناعة قناعاتهم وتوجيه سلوكهم، حتى بات تأثيرها، في كثير من الأحيان، يفوق تأثير الأسرة والمؤسسات التعليمية، وفي غياب التأطير والتوجيه السليم، قد تتحول هذه المنصات إلى فضاءات لنشر الإحباط أو التطرف أو ثقافة الاستهلاك السريع والنجاح الوهمي، بدل أن تكون أدوات للتعلم وبناء القدرات،
إن التعامل مع هذه الفئة بمنطق العقاب أو الإهمال لن يؤدي إلا إلى تعميق الأزمة، بينما يظل الحل الحقيقي في تبني سياسات استباقية تقوم على الاحتضان والتكوين والتأهيل، وربط الشباب ببرامج عملية للتكوين المهني وريادة الأعمال، وتشجيع المبادرات المحلية، وتوفير فضاءات للإبداع والمشاركة المدنية، بما يعيد إليهم الثقة في المستقبل، ويمنحهم فرصة حقيقية للمساهمة في تنمية وطنهم،
كما أن الرهان على هذه الفئة ينبغي أن يكون جزءا من رؤية وطنية متكاملة، تتقاطع فيها أدوار الدولة والجماعات الترابية والمؤسسات التعليمية والقطاع الخاص والمجتمع المدني، بهدف تحويل الشباب من متلقين للدعم إلى فاعلين في التنمية وصناع للثروة،
وفي ظل اقتراب الاستحقاقات السياسية، تبدو الحاجة ملحة إلى أن تتصدر قضايا الشباب البرامج الانتخابية، بعيدا عن الشعارات الظرفية والوعود غير القابلة للتنفيذ، فالمغاربة لا ينتظرون خطابات جديدة بقدر ما ينتظرون سياسات واقعية تفتح أمام شبابهم أبواب الأمل والعمل والإنتاج،
إن الاستثمار في الشباب ليس ترفا سياسيا ولا خيارا مؤجلا، بل هو ضرورة وطنية واستراتيجية، فكل شاب يتم إنقاذه من دائرة الإقصاء هو مشروع مواطن منتج، وكل فرصة تمنح له اليوم هي استثمار في أمن المجتمع واستقراره وازدهاره غدا، لذلك، فإن مستقبل المغرب لن يُبنى فقط بالمشاريع والبنيات التحتية، بل أيضا بقدرته على استثمار أهم ثروة يمتلكها، شبابه.
طانطاني24 – طاقم التحرير

التعاليق (0)