سبتة ليست القضية، بل الرسالة التي حملها البحر!

رأي
 كلما شهدت الحدود المغربية مع سبتة المحتلة موجة جديدة من محاولات العبور، ينصرف النقاش سريعاً إلى سؤال واحد، من سمح، ومن المسؤول عن فتح الطريق، غير أن هذا السؤال، على أهميته، قد يحجب السؤال الأهم، لماذا أصبح آلاف المغاربة، بينهم أطفال ونساء وشباب، مستعدين للمغامرة بحياتهم من أجل الوصول إلى الضفة الأخرى، مهما كانت النهاية؟
إن اختزال ما وقع في بعده الأمني وحده، أو التعامل معه كحدث عابر، هو تجاهل لرسالة اجتماعية وسياسية عميقة حملتها أمواج البحر إلى الجميع.
فالإنسان لا يغامر بحياته عبثاً، وعندما يختار البحر، بكل مخاطره، فإنه يكون قد فقد الثقة في اليابسة التي يقف عليها، وهذه هي الحقيقة التي ينبغي التوقف عندها، بعيداً عن المزايدات أو الحسابات الظرفية.
لقد راكم المغرب خلال السنوات الأخيرة أوراشاً كبرى ومشاريع استراتيجية، غير أن شريحة واسعة من المواطنين، وخاصة الشباب، ما تزال تنتظر أن ينعكس أثر تلك الأوراش على حياتها اليومية، فالبطالة، وغلاء المعيشة، واتساع الفوارق الاجتماعية، وصعوبة الولوج إلى فرص الشغل، كلها عوامل غذّت شعوراً بالإحباط لدى فئات واسعة من المجتمع.
ومن الطبيعي أن تتعدد أسباب الهجرة غير النظامية، فهي ظاهرة معقدة لا تختزل في عامل واحد، لكن من الصعب أيضاً تجاهل أن ما وقع يعكس أزمة ثقة تتجاوز الجانب الاقتصادي، لتلامس العلاقة بين المواطن والسياسات العمومية، وبين الشباب والفاعل السياسي.
وإذا كانت الحكومات تُقاس بقدرتها على صناعة الأمل، فإن كثيرين يرون أن السنوات الأخيرة لم تنجح بالقدر الكافي في تقديم أجوبة مقنعة على انتظارات المواطنين، كما أن جزءاً من الطبقة السياسية بدوره يتحمل مسؤولية هذا الوضع، عندما انشغل، في كثير من الأحيان، بصراعات انتخابية وحسابات ضيقة، أكثر من انشغاله بإنتاج أفكار ومبادرات قادرة على استيعاب غضب الشباب واستعادة ثقتهم في العمل السياسي.
وتأتي هذه الأحداث في وقت يستعد فيه المغرب لخوض الانتخابات التشريعية المقبلة، وهي محطة دستورية مهمة يفترض أن تكون مناسبة لتقديم مشاريع مجتمعية وبرامج واقعية تستجيب لانشغالات المواطنين، لا مجرد مناسبة لتكرار الشعارات أو تبادل الاتهامات.
فالرهان الحقيقي اليوم ليس فقط الفوز بالمقاعد البرلمانية، بل الفوز بثقة المواطن، لأن أي استحقاق انتخابي يفقد جزءاً من معناه إذا كان قطاع واسع من الشباب يشعر بأن مستقبله يوجد خارج الوطن، لا داخله.
  
إن المشهد الذي تابعناه على حدود سبتة يجب أن يدفع جميع الفاعلين، حكومةً وأحزاباً ومؤسسات، إلى مراجعة الأولويات، فالمواطن لا يحتاج فقط إلى خطابات مطمئنة، بل إلى سياسات عمومية تعزز فرص الشغل، وتحسن جودة التعليم، وتدعم الاستثمار المنتج، وتكرس العدالة المجالية والاجتماعية، وتفتح أمام الشباب آفاقاً حقيقية للمشاركة في بناء المستقبل.
لقد كانت سبتة هذه المرة أكثر من معبر نحو أوروبا، كانت مرآة عكست حجم الأسئلة المؤجلة داخل المجتمع المغربي، وإذا لم تتحول هذه الرسالة إلى فرصة للمراجعة والإصلاح، فإن أمواج البحر ستستمر في حمل الرسائل نفسها، بصور أكثر إيلاماً.
وقبيل الاستحقاقات التشريعية، قد يكون السؤال الذي ينتظر المواطن جواباً عنه بسيطاً في صياغته، لكنه عميق في مضمونه، من يمتلك مشروعاً حقيقياً يعيد للمغاربة الثقة في المستقبل؟ فالمعركة الانتخابية ليست معركة شعارات، بل معركة استعادة الأمل، والأمل لا يُصنع بالخطب، وإنما بالإنجازات والسياسات التي يشعر المواطن بثمارها في حياته اليومية.
#طانطاني24 – مقال رأي

التعاليق (0)

اترك تعليقاً