ليس كل يوم يجد المحامي نفسه في مواجهة المهنة التي ينتمي إليها، وليس كل يوم يتحول وزير العدل، وهو ابن مهنة المحاماة، إلى واجهة لقانون أثار كل هذا الجدل داخل الجسم المهني.
عبد اللطيف وهبي، المحامي والوزير، كان في قلب معركة قانون تنظيم مهنة المحاماة، مشروع قانون قدمته الحكومة، ودافعت عنه أمام المؤسسة التشريعية، بينما واجهه قطاع واسع من المحامين بالاحتجاج والإضراب والاعتراض.
وهنا تبدأ المفارقة التي تستحق التوقف.
“محاميها حرميها”…
عبارة ساخرة، لكنها تختصر سؤالاً سياسياً ومهنياً أكبر من مجرد خلاف بين وزير ومحامين.
فالمحامي الذي يفترض أن يعرف جيداً حساسية المهنة، ودقة العلاقة بين الدفاع والقضاء، وأهمية استقلال المحامي في حماية حقوق المتقاضين، وجد نفسه في موقع المدافع عن نص تشريعي تقول هيئات مهنية إنه لا ينسجم مع انتظاراتها ومطالبها.
والأكثر إثارة أن القانون دخل مرحلة الرقابة الدستورية، لكن المحكمة الدستورية أصدرت قرارها معلنة تعذر البت في الإحالة، بسبب الإشكال المتعلق بالنص الذي أحيل إليها.
وهنا لا يتعلق الأمر بالقول إن المحكمة حكمت بعدم دستورية القانون، فهي لم تفعل ذلك.
لكنها أيضاً لم تمنح القانون شهادة مطابقة للدستور.
وهذا التفصيل ليس هامشياً.
فحين يصل قانون مثير للجدل إلى المحكمة الدستورية، ثم لا تتمكن المحكمة من ممارسة رقابتها على مضمونه بسبب إشكال في الإحالة، يبقى السؤال مشروعاً: ألم يكن من الأجدر تصحيح المسطرة وتمكين المؤسسة الدستورية من ممارسة اختصاصها كاملاً قبل أن نطوي صفحة القانون؟
قد يقول قائل إن المسطرة القانونية تسمح باستكمال إجراءات إصدار القانون ما دامت المحكمة لم تقض بعدم دستوريته.
وقد يكون ذلك صحيحا من الناحية القانونية.
لكن السياسة ليست دائما مجرد سؤال: “هل يسمح القانون؟”
السياسة أيضا سؤال: ما الذي يحقق أكبر قدر من الثقة في المؤسسات؟
وهنا تحديداً تبدو قصة قانون المحاماة أكبر من شخص عبد اللطيف وهبي.
فالمسألة لم تعد فقط : هل الوزير محق أم المحامون مخطئون؟
بل أصبحت : كيف نضمن أن القوانين التي تنظم مهنة مرتبطة مباشرة بالحق في الدفاع والمحاكمة العادلة تحظى بأوسع قدر من التوافق والاطمئنان المهني والمؤسساتي؟
المحاماة ليست مجرد مهنة أخرى.
إنها إحدى حلقات العدالة، والمحامي ليس مجرد مقدم خدمة قانونية، بل طرف في منظومة حماية الحقوق والحريات.
لذلك فإن أي تعديل عميق للقانون المنظم للمهنة يحتاج، قبل قوة الأغلبية البرلمانية، إلى قوة الإقناع.
وهنا يعود وهبي إلى الواجهة.
ليس لأنه محامٍ فقط، وإنما لأنه يعرف، أكثر من كثيرين، أن المحامي لا يعيش فقط بالنصوص، بل يعيش أيضاً بالثقة والاستقلال والاقتناع بأن القانون يحمي دوره ولا يضيّق مجاله.
ومن هنا يصبح عنوان “محاميها حرميها” أكثر من مجرد تلاعب لغوي.
إنه سؤال ساخر عن مفارقة سياسية:
كيف يتحول أحد أبناء المهنة إلى أبرز المدافعين عن قانون تصفه المهنة نفسها بأنه لا يمثل طموحاتها؟
والأهم من ذلك:
هل نحن أمام انتصار للحكومة في معركة تشريعية؟
أم أمام معركة خسر فيها الجميع جزءاً من الثقة؟
لأن القوانين يمكن أن تمر بالأغلبية، ويمكن أن تنشر في الجريدة الرسمية، ويمكن أن تصبح نافذة…
لكن القانون الجيد لا يقاس فقط بقدرته على المرور، وإنما أيضاً بقدرته على بناء الثقة في اليوم التالي لصدوره.
وفي نهاية المطاف، قد يكون وهبي قد ربح معركة تمرير القانون، لكن السؤال الذي سيبقى مفتوحاً أمامه، وأمام الحكومة والبرلمان والمحامين معاً:
هل ربحوا أيضاً معركة إقناع المهنة؟
وهنا فقط سنعرف إن كان عنواننا مجرد نكتة صحفية…
أم أن “محاميها حرميها” كانت بالفعل عنواناً لمرحلة كاملة.

التعاليق (0)