رغم اقتراب الانتخابات التشريعية لسنة 2026، تكشف دراسة ميدانية حديثة أن أزمة الثقة أصبحت أكبر تهديد للمشاركة السياسية بالمغرب، حيث يرى أغلب المستجوبين أن الأحزاب لم تعد قادرة على تمثيل المواطنين أو الدفاع عن مصالحهم.مؤشرات مخيفة عن انعدام الثقة داخل المغرب بين المواطنين والأحزاب السياسية والمؤسسات العمومية، هذا نتيجة بحث ميداني أجرته جمعية المواطنون، بالجهات الاثنتي عشرة للمملكة. تم من خلاله استشارة أكثر من 3000 مواطنة ومواطن شاركوا في أنشطة “مقهى المواطنة”، وهي فئة تتميز بارتفاع مستوى التعليم والانخراط في الشأن العام مقارنة بمتوسط المجتمع المغربي. ولذلك يؤكد التقرير أن نتائجه لا تمثل جميع الناخبين المغاربة إحصائياً، لكنها تعكس بدقة تصورات الفئة الأكثر اهتماماً بالحياة السياسية والأكثر قابلية للمشاركة الانتخابية. من خلال الإجابة عن هذه بعض الأسئلة المتعلقة بالانتخابات، ﻣﺎ ﻃﺒﻴﻌﺔ اﻟﻌﻼﻗﺔ اﻟﺘﻲ ﺗﺮﺑﻂ اﻟﻤﻮاﻃﻨﺎت واﻟﻤﻮاﻃﻨﻴﻦ اﻟﻤﻐﺎرﺑﺔ ﺑﺎﻟﻌﻤﻠﻴﺔ اﻻﻧﺘﺨﺎﺑﻴﺔ؟ وﻫﻞ ﺗﻌﻜﺲ اﻟﻤﻘﺎﻃﻌﺔ اﻟﺘﻲ ﺳﺠﻠﺖ ﺧﻼل اﻧﺘﺨﺎﺑﺎت 2026 ﻋﺰوﻓﺎً ﻋﻦ اﻟﺴﻴﺎﺳﺔ، أم أﻧﻬﺎ ﺗﻌﺒﺮ ﻋﻦ ﻣﻮﻗﻒ ﺳﻴﺎﺳﻲ وﺗﻘﻴﻴﻢ ﻧﻘﺪي ﻟﻠﻤﻨﻈﻮﻣﺔ اﻟﻘﺎﺋﻤﺔ؟ وﻣﺎ اﻟﺸﺮوط اﻟﻀﺮورﻳﺔ ﻟﺘﺤﻮﻳﻞ اﻟﺘﻌﺒﺌﺔ اﻟﻘﺎﻧﻮﻧﻴﺔ واﻟﻤﺆﺳﺴﺎﺗﻴﺔ إﻟﻰ ﻣﺸﺎرﻛﺔ اﻧﺘﺨﺎﺑﻴﺔ ﻓﻌﻠﻴﺔ؟ وﻛﻴﻒ ﺗﻨﻈﺮ اﻟﻔﺌﺎت اﻷﻛﺜﺮ أﻫﻤﻴﺔ ﻓﻲ اﻟﻤﻌﺎدﻟﺔ اﻟﺪﻳﻤﻘﺮاﻃﻴﺔ، وﻋﻠﻰ رأﺳﻬﺎ اﻟﺸﺒﺎب واﻟﻨﺴﺎء واﻟﻄﺒﻘﺎت اﻟﻮﺳﻄﻰ اﻟﺤﻀﺮﻳﺔ، إﻟﻰ ﻫﺬه اﻻﺳﺘﺤﻘﺎﻗﺎت اﻟﻤﻘﺒﻠﺔ؟
وأشار التقرير عن وجود أزمة ثقة عميقة في المؤسسات العمومية والاحزاب السياسية، فغالبية المشاركين لا يثقون في مصداقية النتائج الانتخابية، ويعتبرون أن الانتخابات لا تؤدي دائماً إلى تمثيلية حقيقية تعكس إرادة الناخبين. كما أن الثقة في المؤسسات العمومية جاءت ضعيفة بشكل لافت، رغم أن أغلب المشاركين من الفئات المتعلمة والمندمجة اجتماعياً، وهي الفئات التي يفترض أن تشكل القاعدة الأساسية للدعم المؤسساتي في أي نظام ديمقراطي.
واعتبر التقرير ان قضية الشباب أكثر المؤشرات إثارة للقلق، إذ يرى معظم المستجوبين أن الشباب لا يحظون بالمكانة التي يستحقونها داخل الحياة السياسية ومراكز القرار، وهو ما يعكس شعوراً واسعاً بوجود فجوة بين الأجيال الجديدة والمؤسسات السياسية. ويخلص التقرير إلى أن المشكل لا يتعلق فقط بضعف المشاركة، بل بأزمة ثقة تمس جوهر العلاقة بين المواطن والمؤسسة السياسية.
كمل أظهرت الدراسة أن العلاقة بين المواطنين والأحزاب السياسية تعرف تراجعاً كبيراً.فحوالي أربعة أخماس المشاركين أكدوا أنهم لا يملكون أي علاقة أو تواصل مع الأحزاب السياسية، سواء عبر الأنشطة الميدانية أو الوسائط الرقمية. كما أن نسبة قليلة جداً فقط أفادت بوجود تواصل مباشر مع الأحزاب. ويرى أغلب المستجوبين أن الأحزاب لا تهتم بقضايا المواطنين ولا تنجح في الدفاع عن مصالحهم، كما أن المنتخبين لا يلتزمون بالوعود التي يقدمونها خلال الحملات الانتخابية. أما على مستوى التواصل، فقد حصلت الأحزاب على تقييمات ضعيفة للغاية، حيث يعتبر المواطنون أن الخطاب الحزبي غير مقنع وغير قادر على إيصال الرسائل السياسية بشكل مفهوم وفعال. ويشير التقرير إلى أن الأحزاب أصبحت تُنظر إليها باعتبارها فاعلاً موسمياً يظهر فقط خلال الحملات الانتخابية ثم يختفي بعد ذلك، وهو ما ساهم في تآكل الثقة بينها وبين المواطنين.
وأشار التقرير ان شبكات التواصل الاجتماعي أصبحت الفضاء السياسي الأول في مقابل تراجع حضور الأحزاب، وبرزت وسائل التواصل الاجتماعي كمصدر رئيسي للمعلومات السياسية. 74٪ من المشاركين تقريباً يعتمدون على المنصات الرقمية للحصول على الأخبار والمعلومات السياسية، بينما تراجعت مكانة الصحافة التقليدية والتلفزيون والإذاعة بشكل واضح. غير أن التقرير يشير إلى أن هذا الاعتماد لا يعني خضوع المواطنين الكامل لتأثير وسائل التواصل، إذ أظهرت النتائج أن المشاركين يمتلكون قدراً من الوعي النقدي تجاه المحتويات السياسية المتداولة على هذه المنصات. ومع ذلك، يحذر التقرير من أن المجال الرقمي لا يمكن أن يعوض التواصل الميداني المباشر، لأن بناء الثقة السياسية يحتاج إلى حضور فعلي داخل الأحياء والقرى والجامعات ومختلف الفضاءات المجتمعية.
كما كشفت الدراسة عن وجود مفارقة مهمة في السلوك الانتخابي للمغاربة. فمن جهة، لا يزال التصويت يُنظر إليه باعتباره واجباً مواطنياً مهماً. ومن جهة أخرى، تظهر مستويات مرتفعة من العزوف والتردد وعدم الثقة. وتبرز الدراسة ثلاثة مستويات مختلفة للمشاركة: التسجيل في اللوائح الانتخابية، المشاركة الفعلية في انتخابات 2021 ونية المشاركة في انتخابات 2026. وتبين النتائج أن هناك تسرباً في كل مرحلة من هذه المراحل، حيث ينتقل عدد من المواطنين من عدم التسجيل إلى عدم التصويت ثم إلى فقدان الرغبة في المشاركة مستقبلاً. أما بخصوص انتخابات 2026، فقد انقسم المستجوبون إلى ثلاث فئات: فئة تنوي المشاركة، فئة تنوي المقاطعة وفئة مترددة لم تحسم موقفها بعد. ويعتبر التقرير أن هذه الفئة المترددة تمثل الرهان الأساسي لأي حملة سياسية تسعى إلى رفع نسبة المشاركة.
كما اكدت الدراسة أن الأسباب الرئيسية للعزوف ليست تقنية أو إدارية، بل سياسية بالدرجة الاولي، ومن أسباب عدم التسجيل في اللوائح الانتخابية، انعدام الثقة، الاعتقاد بأن التصويت لا يغير شيئاً والشعور بعدم جدوى المشاركة، أما بخصوص أسباب مقاطعة الانتخابات فتتمثل أساساً في عدم الثقة في الأحزاب، الاعتقاد بأن الانتخابات لا تؤدي إلى تغيير حقيقي وغياب مرشحين قادرين على تمثيل تطلعات المواطنين.
وتؤكد الدراسة أن أكثر من أربعة أخماس أسباب العزوف مرتبطة بعوامل سياسية ورمزية، وليس بصعوبات تنظيمية أو إجرائية. وهذا يعني أن رفع نسبة المشاركة لا يمكن أن يتحقق فقط عبر حملات التوعية أو تبسيط الإجراءات، بل يتطلب معالجة أزمة الثقة بشكل مباشر.
وجاءت النتائج اللافتة أن الشباب، رغم كونهم الأكثر انتقاداً للوضع السياسي، يظلون الأكثر استعداداً للمشاركة في انتخابات 2026، فالفئة العمرية بين 18 و24 سنة سجلت أعلى نسب النوايا الإيجابية للتصويت مقارنة بباقي الفئات العمرية. ويفسر التقرير هذا المعطى بأن الشباب لم يصلوا بعد إلى مرحلة القطيعة الكاملة مع السياسة، بل ما زالوا يحتفظون بأمل في إمكانية التغيير إذا توفرت شروط أكثر ملاءمة للمشاركة، لذلك يعتبر التقرير الشباب الفئة الأكثر أهمية في المعركة الانتخابية المقبلة.
وأظهرت الدراسة أن النساء عبرن عن استعداد أكبر للتصويت مقارنة بالرجال، كما أن النساء أقل ميلاً إلى تبني مواقف المقاطعة النهائية، وأكثر ميلاً إلى التردد وانتظار الظروف المناسبة لاتخاذ القرار، لكن في المقابل، تواجه النساء عراقيل عملية ومؤسساتية تجعل مشاركتهن الفعلية أقل من مستوى الرغبة التي يعبرن عنها، ويؤكد التقرير أن تعزيز المشاركة النسائية يتطلب إزالة هذه العراقيل أكثر من الاكتفاء بخطابات التحسيس والتشجيع.
وأوضح التقرير الشروط التي يعتبرونها المواطنون ضرورية لاستعادة الثقة والعودة الى صناديق الاقتراع، حيث تمثلت حول اهم القضايا الراهنة ومنها، ضمان نزاهة الانتخابات ومصداقيتها، تقديم برامج سياسية واضحة ومفهومة، إعطاء فرص أكبر للشباب، تعزيز الشفافية في تمويل الأحزاب، توفير معلومات دقيقة وسهلة حول الانتخابات، ربط العمل السياسي بالقضايا المحلية، تنظيم مناظرات ونقاشات عمومية، ويعتبر التقرير أن هذه المطالب تشكل برنامجاً إصلاحياً متكاملاً يعبر عن انتظارات المواطنين.
كما ان التقرير لخصة الحلول الممكنة في ثلاثة محاور رئيسية تجلت اولا في نزاهة العملية الانتخابية من خلال ضمان الشفافية والمراقبة وتعزيز الثقة في النتائج، ثانيا وضوح العرض السياسي عبر تقديم برامج واقعية ومفهومة وتوفير معلومات دقيقة للمواطنين، ثالثا تجديد النخب السياسية من خلال تمكين الشباب والوجوه الجديدة وإعطاء أهمية أكبر للقضايا المحلية. ويرى التقرير أن نجاح أي إصلاح انتخابي مستقبلي مرتبط بمدى التقدم في هذه المجالات الثلاثة.
اما بخصوص الجدل حول اللائحة الوطنية للشباب أظهرت الدراسة أن نسبة مهمة من المشاركين تعتقد أن إلغاء اللائحة الوطنية للشباب كان قراراً غير موفق، أو على الأقل كان يجب تعويضها بآلية أخرى تضمن تمثيل الشباب. كما أن الشباب أنفسهم كانوا الأكثر تمسكاً بوجود آليات خاصة تعزز حضورهم داخل المؤسسات المنتخبة. ويعتبر التقرير أن هذه النتائج تعكس استمرار الإحساس بضعف تمثيلية الشباب داخل الحياة السياسية.
يخلص التقرير إلى أن المغاربة لا يرفضون الانتخابات من حيث المبدأ، ولا يعانون من عزوف ناتج عن اللامبالاة، بل يعيشون أزمة ثقة عميقة مع الأحزاب والمؤسسات السياسية. ويرى المواطنون أن استعادة الثقة تمر عبر ضمان نزاهة الانتخابات، وتقديم برامج واضحة، وتجديد النخب السياسية، وإعطاء مكانة أكبر للشباب، وربط السياسة بقضايا التعليم والصحة والتشغيل. وبحسب التقرير، فإن الرهان الحقيقي لانتخابات 2026 ليس فقط رفع نسبة المشاركة، بل إعادة بناء الثقة بين المواطن والسياسة.

التعاليق (0)