المسيرة الخضراء: خمسون سنة من الوحدة والبناء والتنمية

تُعد المسيرة الخضراء المظفرة محطة فارقة في التاريخ المغربي الحديث، جسّدت في السادس من نونبر سنة 1975 ملحمة وطنية فريدة جمعت بين عبقرية القيادة الملكية والتلاحم الشعبي. خمسون سنة بعد هذا الحدث التاريخي، يواصل المغرب مسيرته بثبات نحو التنمية وترسيخ الوحدة الترابية في أقاليمه الجنوبية.

من ملحمة التحرير إلى استرجاع الأقاليم الجنوبية
في خطاب تاريخي وجّهه الملك الراحل الحسن الثاني إلى الأمة، دعا أبناء الوطن إلى مسيرة سلمية نحو الصحراء المغربية، استجابة لنداء التحرير واستكمال الوحدة الترابية. لبّى النداء 350 ألف متطوع ومتطوعة من مختلف جهات المملكة، حاملين المصحف والعلم الوطني، في خطوة حضارية أبهرت العالم وأرست نموذجًا في النضال السلمي لاسترجاع الحقوق المشروعة.

مرحلة البناء والتثبيت (1975 – 1990)
عقب استرجاع الأقاليم الجنوبية، انطلقت ورشات الإعمار والبناء لتوفير البنيات التحتية الضرورية من طرق وموانئ ومرافق صحية وتعليمية. شهدت مدن العيون والداخلة والسمارة تحولات عميقة بفضل الاستثمارات العمومية والدعم المتواصل من الدولة، في سياق تعبئة وطنية للدفاع عن الوحدة الترابية وتعزيز الانتماء الوطني في الصحراء المغربية.

دينامية جديدة مع بداية الألفية
مع اعتلاء الملك محمد السادس العرش، انطلقت مرحلة جديدة من التنمية المندمجة في الأقاليم الجنوبية، حيث تم إحداث وكالة الإنعاش والتنمية الاقتصادية والاجتماعية للأقاليم الجنوبية سنة 2002، بهدف تنسيق المشاريع وتثمين الموارد المحلية. تميزت هذه المرحلة بفتح آفاق أوسع أمام الشباب والمقاولين، وبدعم الاستثمارات في مجالات الصيد البحري والطاقة والاتصالات.

النموذج التنموي الجديد للأقاليم الجنوبية (منذ 2015)
في نونبر 2015، أعطى الملك محمد السادس من مدينة العيون الانطلاقة الرسمية للنموذج التنموي الجديد للأقاليم الجنوبية، بميزانية تفوق 77 مليار درهم. ركّز هذا النموذج على البنيات التحتية الكبرى مثل ميناء الداخلة الأطلسي، وتطوير شبكات الطرق، وتشجيع الطاقات المتجددة، مع الحرص على إشراك الساكنة المحلية في صياغة المشاريع وتدبيرها.

الانتصارات الدبلوماسية وتعزيز الحضور الدولي
عرف العقد الأخير تطورات مهمة في ملف الصحراء المغربية، حيث اتسعت رقعة الدول الداعمة للمغرب وفتحت أكثر من ثلاثين دولة قنصليات عامة في مدينتي العيون والداخلة، في تأكيد واضح على الاعتراف الدولي بسيادة المغرب على أقاليمه الجنوبية. كما حظيت مبادرة الحكم الذاتي بمساندة متزايدة من القوى الإقليمية والدولية باعتبارها الحل الجاد والواقعي للنزاع المفتعل.

وفي هذا السياق، اعتمد مجلس الأمن الدولي في قراره الأخير رقم 2735 الصادر في أكتوبر 2025، موقفًا واضحًا يدعم الجهود الجادة وذات المصداقية التي تبذلها المملكة المغربية من خلال مبادرة الحكم الذاتي، مجددًا دعوته إلى حل سياسي واقعي ودائم يقوم على التوافق. وقد اعتُبر القرار تأكيدًا جديدًا على وجاهة الطرح المغربي وعلى الدينامية المتزايدة التي تعرفها المبادرة على المستوى الدولي.

خمسون سنة من التلاحم الوطني والاحتفال بالإنجازات
بمناسبة الذكرى الخمسين للمسيرة الخضراء، تشهد مختلف جهات المملكة تنظيم سلسلة من الأنشطة الرسمية والشعبية، تتنوع بين المهرجانات الخطابية والعروض الفنية والأنشطة الرياضية والندوات التاريخية، تخليدًا لهذه الملحمة الوطنية الخالدة واستحضارًا لقيمها في التضحية والوحدة والعمل.

بعد نصف قرن من المسيرة الخضراء، يواصل المغرب كتابة فصول جديدة من هذا المسار الوطني المشرق، جامعًا بين الدفاع عن السيادة وتعزيز التنمية البشرية والاقتصادية. وتظل المسيرة الخضراء رمزًا للوحدة والإجماع الوطني، ودليلًا على أن روحها ما تزال حية في وجدان كل مغربي يؤمن بأن بناء المستقبل يمر عبر التمسك بالوطن والعمل من أجل تقدمه.

طانطاني 24 – هيئة التحرير

اترك رد