بعد إعلان التحالف الرباعي بالمغرب.. قراءة في موازين القوى البرلمانية ورهانات الدولة الاجتماعية والتحديات الدولية

أخبار وطنية


يواجه المغرب منعطفاً سياسياً لافتاً برسم الولاية التشريعية الجديدة، إثر إعلان رئيسة الحكومة المكلفة، فاطمة الزهراء المنصوري، رسمياً يوم الإثنين الثاني عشر من أكتوبر ألفين وستة وعشرين عن ائتلافها الحكومي. ويفرز هذا المشهد معادلة سياسية واعدة تقوم على جبهتين؛ أغلبية رباعية مريحة تشريعياً، ومعارضة قوية بخلفيات تدبيرية سابقة، وينعكس هذا التوازن المباشر على مصير السياسات العمومية المنتظرة لمواجهة حزمة من التحديات الداخلية المعقدة والرهانات الخارجية الاستراتيجية.

تتأسس البيئة البرلمانية الحالية على توزيع عددي ونوعي يضمن تفاعلاً سياسياً حاداً تحت قبة مجلس النواب، حيث يتألف الائتلاف الحاكم رسمياً من أربعة أحزاب هي الأصالة والمعاصرة، والاستقلال، والاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، والتقدم والاشتراكية. وتستند هذه التشكيلة إلى مائتين وسبعة مقاعد برلمانية، ترتفع إلى مائتين واثنين وثلاثين مقعداً عبر آلية المساندة النقدية من حزبي الاتحاد الدستوري والحركة الديمقراطية الاجتماعية.

تعكس هذه الهندسة رغبة قوية في تأمين الانسجام الفكري والإصلاحي لتفادي العقبات التشريعية وتيسير تمرير القوانين الحيوية.


في المقابل، يتبقى للمعارضة مائة وثلاثة وستون مقعداً، إلا أن ثقلها لا يكمن في الحجم العدد فقط، بل في طبيعة مكوناتها. فاصطفاف حزب التجمع الوطني للأحرار بستة وستين مقعداً، والذي قاد التجربة التنفيذية السابقة، إلى جانب حزب العدالة والتنمية بأربعة وخمسين مقعداً، يجعل من المعارضة جبهة خبيرة بآليات التدبير. ويعني هذا التموقع تفعيلاً مرتقباً وصارماً لأدوات الرقابة والمساءلة والأسئلة الحارقة تحت القبة ولجان تقصي الحقائق الاستطلاعية.


وتتمحور السياسات العمومية المطلوبة من حكومة المنصوري حول الانتقال من الشعارات الانتخابية إلى اختبار النتائج الملموسة في قطاعات حيوية تشمل ترسيخ أركان الدولة الاجتماعية، حيث الرهان الأكبر هو استكمال تعميم وتطوير ورش الحماية الاجتماعية، وإصلاح منظومتي الصحة والتعليم العموميين لضمان تلبية الانتظارات الملحة للشريحة الأوسع من المواطنين.

هذا بالإضافة إلى تقوية الإنتاجية الاقتصادية والتشغيل عبر تحفيز مناخ الاستثمار وتوجيه السياسات لابتكار فرص شغل مستدامة للشباب، وخفض معدلات البطالة مع تشجيع الابتكار ورفع تنافسية النسيج الاقتصادي الوطني، وصولاً إلى تحقيق الحكامة والعدالة المجالية لمعالجة الفوارق التنموية بين الجهات وضمان تكافؤ الفرص وبشكل أخص تنمية الأقاليم الجنوبية والمناطق الحدودية.


ورغم الطوق الرقمي الآمن الذي تتمتع به الحكومة داخل البرلمان، فإن الضغوط الحقيقية تأتي من الواقع الميداني الذي يتطلب تدخلاً بنيوياً عاجلاً، ويأتي في مقدمتها حماية القدرة الشرائية للمواطنين، حيث يقع التضخم والارتفاع المستمر في أسعار المواد الأساسية على رأس أولويات الشارع، وستكون الحكومة مطالبة بابتكار سياسات حمائية تضمن استقرار معيشة الأسر المتوسطة ومحدودة الدخل.

يضاف إلى ذلك تحدي الإجهاد المائي الحرج، إذ تشكل التغيرات المناخية وتوالي سنوات الجفاف ضغطاً هيكلياً على الموارد المائية، وتفعيل المخططات الاستراتيجية لتوفير مياه الشرب والسقي يعد تحدياً لا يقبل التأجيل لتفادي شلل القطاع الفلاحي. ناهيك عن ملف إصلاح الإدارة ومحاربة الفساد عبر مواصلة تخليق الحياة العامة، وتبسيط المساطر الإدارية، وإعمال القانون لوقف أي ممارسات تخل بنزاهة المرفق العام.


وعلى الصعيد الخارجي، تتحرك الحكومة المغربية في بيئة إقليمية ودولية سريعة التغير، مما يضع السياسة الخارجية والاقتصادية أمام التزامات وازنة، يأتي في طليعتها ملف الوحدة الترابية والشراكات الاستراتيجية ومواصلة كسب الدعم الدولي لسيادة المغرب على صحرائه، وترسيخ المقاربة الملكية الحازمة القائمة على جعل مغربية الصحراء النظارة التي يقيس بها المغرب صدق الشراكات والروابط الدولية.

كما تسعى المملكة نحو تنويع المحاور الجيوسياسية والاقتصادية عبر استثمار التقارب الاقتصادي وبناء علاقات متوازنة مع القوى الدولية الكبرى والاتحاد الأوروبي والشراكات الواعدة مع إسبانيا، إلى جانب مواصلة الاندماج والعمق الإفريقي للمملكة، توازياً مع العمل على تحقيق الأمن الطاقي والغذائي وتأمين سلاسل التوريد الحيوية للمملكة وسط نزاعات دولية تؤثر على أسعار الطاقة والحبوب عالمياً.


وختاماً، يدخل المغرب فصلاً سياسياً استثنائياً، فالأغلبية الحكومية الجديدة تحوز تحصيناً برلمانياً صلباً يتيح لها هوامش مناورة تشريعية واسعة. بيد أن نجاح هذه التجربة التي تقودها امرأة لأول مرة في تاريخ البلاد لن يحسم بالمعايير العددية داخل البرلمان، بل بمدى شجاعة السياسات العمومية المتخذة والقدرة على حماية الأمن الاجتماعي للمواطن محلياً، ومواكبة الطموحات الجيوسياسية للمملكة دولياً وبأثر ملموس يلامسه المواطن في معيشه اليومي.

طانطاني24 – متابعة

التعاليق (0)

اترك تعليقاً