المغرب بين حرية التعبير وحملات التشويش الرقمية: قراءة في رأي الدكتور عبد الهادي مزراري

يشهد المغرب في السنوات الأخيرة تحولات عميقة على المستويات السياسية والاجتماعية والاقتصادية، وهو ما جعل النقاش العمومي أكثر انفتاحاً وتعددية. غير أن هذا الانفتاح ترافق مع بروز ظاهرة لافتة، تتمثل في توسع الحملات الرقمية الموجهة ضد مؤسسات الدولة، حيث لم تعد هذه الحملات مقتصرة على النقد المشروع للسياسات العمومية، بل امتدت إلى التشكيك في ركائز الدولة ومقومات الهوية الوطنية.

شرعية النقد وحدود المسؤولية

منذ إقرار دستور 2011، أُعطي للمغاربة مجال واسع لممارسة حرية التعبير والحق في المعارضة. وقد نص الدستور بوضوح على دور الأحزاب السياسية والنقابات والجمعيات ومنابر الإعلام في مراقبة السياسات العمومية ومساءلة المسؤولين. لكن كما يشير الدكتور عبد الهادي مزراري، فإن ممارسة هذا الحق ينبغي أن تكون مبنية على الحجة والدليل، وأن تمر عبر قنوات مؤسساتية تضمن التوازن بين حرية النقد ومتطلبات الاستقرار الوطني.

من النقد السياسي إلى استهداف الدولة

بحسب تحليل مزراري، فإن ما يجري اليوم في الفضاء الرقمي يتجاوز مجرد المعارضة المشروعة، حيث برزت أصوات وأطراف تقدم نفسها بصفات “خبراء” أو “صحافيين” أو “مفكرين”، لكنها في الواقع تعتمد أسلوب التشويش والانتحال. هذه الأطراف، كما يقول، لم تعد تركز على نقد السياسات الاقتصادية أو الاجتماعية، بل اتجهت مباشرة إلى استهداف مؤسسات سيادية مثل المؤسسة الملكية والأجهزة الأمنية الاستراتيجية، إضافة إلى التشكيك في الهوية الوطنية الجامعة للمغاربة.

السياق الوطني والإقليمي

لا يمكن فصل هذه الحملات عن التحولات التي يعرفها المغرب داخلياً وخارجياً. فعلى المستوى الوطني، ورغم الإنجازات الكبيرة في مجالات البنية التحتية، الطاقات المتجددة، وتعزيز الحضور الدبلوماسي، ما زالت تحديات اجتماعية واقتصادية قائمة، مثل البطالة والفوارق الاجتماعية وجودة الخدمات العمومية. هذه التحديات غالباً ما تتحول إلى مدخل تستغله الحملات الرقمية لتأجيج الغضب الشعبي.

أما على المستوى الإقليمي والدولي، فإن موقع المغرب الاستراتيجي ونجاحه في ترسيخ حضوره في ملفات حيوية مثل قضية الصحراء، جعله هدفاً لمحاولات الضغط والتشويش. وهنا تلتقي الحملات الرقمية مع أجندات خارجية تسعى لإضعاف النموذج المغربي القائم على الاستقرار السياسي المرتكز على الملكية الدستورية، والأمن الوطني الذي أصبح ركيزة إقليمية في مواجهة الإرهاب والهجرة غير الشرعية والجريمة المنظمة.

التحدي المطروح: بناء توازن جديد

إن التحدي الأكبر الذي يطرحه هذا الوضع يتمثل في إيجاد توازن دقيق بين حرية التعبير كحق دستوري، وبين حماية ثوابت الدولة باعتبارها الضامن لوحدة الوطن واستمراريته. فبينما يجب أن تبقى الساحة السياسية مفتوحة أمام النقد والمساءلة، فإن انتحال الصفات واستغلال المنصات الرقمية لبث خطاب عدمي يستهدف مقومات الدولة يشكل تهديداً مباشراً للنسيج الوطني.

الخلاصة

تصريحات الدكتور عبد الهادي مزراري تنبه إلى خطورة لحظة يعيشها المغرب اليوم، حيث تتقاطع التحولات الداخلية مع الضغوط الخارجية في فضاء رقمي مفتوح. إن مواجهة هذه التحديات لا يمكن أن تتم فقط عبر المقاربة الأمنية أو القانونية، بل تتطلب أيضاً تقوية مؤسسات الوساطة، وتحصين الإعلام الوطني، وتشجيع النقاش العمومي المسؤول، بما يضمن ممارسة النقد البناء دون الانزلاق نحو استهداف استقرار الدولة وثوابتها.

طانطاني 24 – متابعة

اترك رد