أزمة التناوب الشكلي: حين يتكرر المشهد ويتحول العزوف إلى “هابيتوس” سياسي

رأي

تطرح الاستحقاقات الحكومية والمتغيرات السياسية بالمغرب سؤالاً جوهرياً يتجاوز حدود الأسماء والوجوه المستوزرة: هل تشكيل الحكومات والمتتاليات الأغلبية من داخل البنية الحزبية نفسها يعكس تحولاً حقيقياً في فلسفة الحكم وتدبير الشأن العام، أم أنه مجرد تمرين في إعادة توزيع المواقع داخل الحقل السياسي؟

عندما تتناوب نفس الأحزاب والفاعلين والقواعد الحزبية والخطابات النظرية على إدارة الحكومة، يغدو التغيير محصوراً في تبادل الأدوار وإعادة ترتيب الحقائب الوزارية، دون أن يمتد إلى منطق اشتغال المؤسسات أو النهج الاقتصادي والاجتماعي المتبع. وبناءً على التحليلات السوسيولوجية والسياسية المقارنة، فإن الأزمة تتجاوز حينها حدود “سوء التدبير الحكومي” للسياسات العمومية، لتتحول إلى أزمة إعادة إنتاج نفس العلاقات ونفس علاقات القوة، ومواصلة تكريس الفجوة والتوجس بين المواطن والمؤسسات الممثلة له.

إن الخطورة الاستراتيجية في هذا المسار تكمن في تحول فقدان الثقة من مجرد موقف موقت تجاه حكومة أو تشكيل سياسي بعينه إلى ما يصفه عالم الاجتماع بيير بورديو بـ “الهابيتوس السياسي” (Habitus)؛ أي بنية ذهنية ونفسية واجتماعية راسخة لدى المواطن تجعله يتوقع مسبقاً وبشكل حتمي أن تغير الوجوه الحزبية أو التعديلات الحكومية لن تؤدي، في نهاية المطاف، إلى تحسن ملموس في شروطه اليومية أو معيشه اليومي.

ومع الالتزام بما هو معلن في النشرات والمؤشرات الرسمية للمؤسسات الوطنية — وفي مقدمتها تقارير “المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي” ومؤشرات “المندوبية السامية للخطاط” التي تسجل استمرار نسب معتبرة من العزوف الانتخابي وسط الشباب وضعف الثقة في العمل الحزبي والبرلماني — يفرض السؤال الأساسي نفسه بشكل حاد: هل نحن أمام بداية جديدة وتغيير بنيوي في أساليب حكامة الحقل السياسي، أم أمام استمرار لآلية إعادة إنتاج نفس القواعد ذات الرهانات والنتائج الاجتماعية المحدودة؟

إن الإجابة عن هذا السؤال هي ما سيحدد مستقبلاً مدى قدرة النخب الحزبية على استعادة المشروعية التمثيلية وإعادة بناء الثقة في الخيار الديمقراطي والمؤسسات المنتخبة.

التعاليق (0)

اترك تعليقاً