على امتداد سنوات، ظل الرأي العام المغربي منشغلاً بمجموعة من القضايا التي تمس حياته اليومية بشكل مباشر، من الأسعار والقدرة الشرائية، إلى الصحة والتعليم والتشغيل، ومن أزمة الماء والجفاف إلى الفلاحة والاستثمار، ومن ندرة الأطباء وتأخر المواعيد الطبية إلى جودة المدرسة العمومية، ومن أسعار اللحوم والدواجن إلى كلفة المعيشة وتدبير الموارد المائية، وهي ملفات لم تكن يوماً مجرد تفاصيل في النقاش العمومي، بل شكلت وما تزال جوهر العلاقة بين المواطن والمؤسسات والأحزاب والمنتخبين
ومع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية، كان من المفترض أن تنتقل هذه الانشغالات من مستوى النقاش اليومي إلى مستوى البرامج والبدائل، وأن تتحول الأسئلة التي يطرحها المواطن في السوق والمستشفى والمدرسة والإدارة ومكان العمل إلى أسئلة سياسية واضحة موجهة إلى الأحزاب والمرشحين، ماذا ستفعلون بشأن القدرة الشرائية، كيف ستواجهون البطالة، ما تصوركم لإصلاح الصحة والتعليم، كيف ستتعاملون مع أزمة الماء، وما هي السياسات التي ستعتمدونها لتحقيق تنمية أكثر توازناً وعدالة بين مختلف المجالات
غير أن المشهد الذي يتشكل تدريجياً يبدو مختلفاً، فبدلاً من أن تتجه المنافسة السياسية نحو تقديم البرامج ومناقشة الحصيلة وتقديم البدائل، بدأ جزء مهم من النقاش العمومي ينزلق نحو المواجهات الشخصية، والتصريحات الاستفزازية، والردود المتبادلة، والمقاطع القصيرة التي تنتشر على منصات التواصل الاجتماعي، لتتحول السياسة شيئاً فشيئاً إلى مادة للفرجة، ويصبح السؤال الأكثر تداولاً ليس ماذا سيقدم هذا الحزب أو ذاك، وإنما من رد على من، ومن أحرج من، ومن خرج منتصراً في آخر مواجهة كلامية
هذه الظاهرة ليست منفصلة عن طبيعة البيئة الرقمية التي أصبحت تتحكم بشكل كبير في طريقة استهلاك الأخبار والمعلومات، فالمنصات الاجتماعية تميل بطبيعتها إلى إبراز المحتوى السريع والمثير والقابل للمشاركة، ولذلك يمكن لتصريح استفزازي أو مشادة سياسية قصيرة أن تحصد خلال ساعات انتشاراً واسعاً، بينما قد لا يحظى برنامج انتخابي كامل أو وثيقة سياسية تتضمن مقترحات دقيقة إلا بجزء محدود من ذلك الاهتمام، وهو ما يدفع بعض الفاعلين السياسيين إلى التعامل مع الحملة الانتخابية باعتبارها معركة على الانتباه أكثر منها منافسة حول السياسات العمومية
وهنا تكمن إحدى أخطر مفارقات الانتخابات في زمن وسائل التواصل الاجتماعي، فالسياسي الذي يدرك أن الجملة المثيرة تنتشر أسرع من البرنامج المفصل قد يجد نفسه مدفوعاً إلى إنتاج المزيد من الإثارة، والجمهور الذي يتفاعل بكثافة مع هذه المقاطع يساهم بدوره في تكريس هذا النوع من الخطاب، وبذلك تتشكل دائرة متكاملة، السياسي ينتج الفرجة لأنها تجذب الجمهور، والجمهور يطلب المزيد منها لأنها أصبحت المحتوى السياسي الأكثر حضوراً
لكن مسؤولية الأحزاب لا يمكن اختزالها في مسايرة هذا المنطق، فالحزب السياسي يفترض أن يكون مؤسسة لتقديم التصورات والبرامج والبدائل، وليس مجرد منصة لإنتاج الردود والهجمات، والمرشح لا يفترض أن يخوض الانتخابات فقط لإثبات قدرته على إحراج خصمه، وإنما ليقنع الناخب بقدرته على تدبير الشأن العام وتحويل الوعود إلى سياسات قابلة للتنفيذ
حين يتحدث حزب عن تحسين القدرة الشرائية، فمن حق المواطن أن يعرف كيف سيتم ذلك، وما هي الإجراءات المقترحة، وما تكلفتها، ومن سيتحملها، وحين يتحدث عن إصلاح الصحة، فمن حقه أن يسأل عن الموارد البشرية والتجهيزات والتمويل والتوزيع المجالي، وحين تقدم وعود للشباب، فمن الطبيعي أن يكون السؤال حول مصادر فرص الشغل، وحين يتعلق الأمر بأزمة الماء، فإن النقاش يجب أن ينتقل من الشعارات إلى تفاصيل السياسات المائية، من تحلية مياه البحر إلى تدبير المياه الجوفية، ومن اختيار الزراعات إلى ترشيد الاستهلاك والاستثمار في البنيات الضرورية
والمسألة نفسها تنطبق على التعليم، فالمواطن لا يحتاج فقط إلى وعود عامة حول إصلاح المدرسة، بل يريد معرفة كيف ستتم معالجة الهدر المدرسي، والاكتظاظ، وجودة التعلمات، وظروف المدرسين، والربط بين التكوين وحاجيات سوق الشغل، كما أن الحديث عن التنمية لا يمكن أن ينفصل عن سؤال العدالة المجالية، خصوصاً في المناطق التي ما تزال تعاني من تفاوت واضح في الخدمات وفرص الاستثمار والبنيات الأساسية
ومن هنا، فإن الانتخابات ينبغي أن تكون مناسبة لإعادة ترتيب الأولويات، لا لإغراق الرأي العام في التفاصيل الهامشية، فالملفات التي تشغل المواطن طوال السنة يجب أن تتحول إلى محور للحملة، وليس من المنطقي أن يقضي المواطن أشهراً وهو يتحدث عن الأسعار والصحة والماء والتعليم والشغل، ثم يجد نفسه عند اقتراب الانتخابات أمام نقاش مختلف تماماً لا يجيب عن أي من هذه الأسئلة
غير أن المسؤولية لا تقع على الأحزاب وحدها، فالجمهور نفسه أصبح جزءاً من معادلة صناعة الخطاب السياسي، عندما يحظى مقطع قصير يتضمن مشادة أو سخرية بآلاف المشاركات، بينما لا يجد برنامج انتخابي مفصل إلا اهتماماً محدوداً، فإن الرسالة التي تصل إلى السياسيين واضحة، الجمهور يتفاعل مع الفرجة أكثر مما يتفاعل مع البرنامج، ولذلك يصبح من الطبيعي أن يعيد الفاعل السياسي إنتاج المحتوى الذي يضمن له أكبر قدر من الحضور والانتشار
وهنا تبرز أيضاً مسؤولية الإعلام، لأن الصحافة المهنية لا ينبغي أن تتحول إلى مجرد ناقل للمعارك السياسية، فإذا خرج سياسي لمهاجمة خصمه، فإن السؤال الصحفي الطبيعي يجب أن يكون، وماذا ستفعل أنت، وإذا انتقد حصيلة سابقة، فما هو البديل الذي تقترحه، وإذا تحدث عن اختلال معين، فما هي المعالجة التي يقدمها، بهذه الطريقة يتحول الإعلام من مجرد وسيط ينقل الصراع إلى مؤسسة تساعد المواطن على فهم الخيارات السياسية ومساءلة أصحابها
المشكلة أن منطق الفرجة قد يجعل الحملة الانتخابية تبدو أكثر حيوية، لكنها في المقابل قد تجعلها أقل فائدة للمواطن، فالجمهور قد يتذكر الجملة الساخرة والمقطع الأكثر انتشاراً، لكنه قد لا يتذكر ما قاله المرشح حول الصحة أو التعليم أو التشغيل، وقد تتحول الانتخابات إلى منافسة في صناعة اللحظة بدلاً من أن تكون منافسة في صناعة السياسات
والأخطر من ذلك أن هذا النوع من النقاش قد يخلق وهماً بأن الخلافات الشخصية هي جوهر السياسة، بينما التجربة السياسية تثبت أن الخصوم الذين يتبادلون الاتهامات خلال الحملات قد يجدون أنفسهم بعد ظهور النتائج أمام واقع جديد تفرضه موازين القوى والتحالفات، وقد يتحول خطاب المواجهة إلى خطاب تفاوض وشراكة، وهو أمر طبيعي في الحياة السياسية، لكنه يصبح إشكالياً عندما يكون المواطن قد بنى اختياره الانتخابي بالكامل على أساس المعارك الشخصية
فالانتخابات تنتهي، والنتائج تعلن، والتحالفات تتشكل، والمسؤوليات توزع، لكن القضايا التي كانت تؤرق المواطن لا تختفي، الأسعار ستظل حاضرة، والقدرة الشرائية ستظل موضوعاً مركزياً، والمستشفى سيظل مطالباً بتقديم الخدمة، والمدرسة ستظل مطالبة بتحسين الجودة، والشباب سيظلون يبحثون عن فرص العمل، والماء سيظل واحداً من أكبر التحديات، والفلاح سيظل مطالباً بالتكيف مع واقع مناخي أكثر صعوبة
عندها سيعود المواطن إلى طرح الأسئلة التي كان من المفترض أن تكون في قلب الحملة الانتخابية منذ البداية، أين الوعود التي قدمت، ما الذي تحقق، ماذا تغير، ولماذا لم تتحقق الوعود الأخرى، وسيعود النقاش حول الأسعار والحولي والنعجة والخروف والدجاج والماء الصالح للشرب والفلاحة والأفوكا والصحة والتعليم وكل التفاصيل التي تشكل في مجموعها حياة المواطن اليومية
وهنا تحديداً تظهر قيمة الاختيار الانتخابي الواعي، لأن المواطن لا يصوت على أساس من ربح معركة كلامية، وإنما على أساس من يملك تصوراً أكثر واقعية لمعالجة مشاكله، ومن يمتلك القدرة على تحويل ذلك التصور إلى سياسات وقرارات ونتائج قابلة للقياس
لذلك، فإن المطلوب اليوم ليس إلغاء الصراع السياسي ولا منع المرشحين من انتقاد خصومهم، وإنما إعادة الصراع إلى مكانه الطبيعي، صراع حول الحصيلة والبرامج والأولويات والبدائل، يمكن للسياسي أن ينتقد خصمه، لكن عليه أن يقدم بديلاً، ويمكنه أن يكشف اختلالاً، لكن عليه أن يقترح حلاً، ويمكنه أن يرفض سياسة معينة، لكن عليه أن يشرح ما الذي سيضعه مكانها
أما تحويل الانتخابات إلى سلسلة من الكلاشات والمقاطع الساخرة، فإنه قد يكون مفيداً من حيث المشاهدة والانتشار، لكنه لا يخدم بالضرورة جودة الاختيار الديمقراطي، لأن الفرجة تنتهي بانتهاء المقطع، بينما القرارات التي تنتج عن الانتخابات قد تستمر آثارها سنوات
وفي النهاية، يبقى السؤال الحقيقي الذي ينبغي أن يفرض نفسه على المشهد الانتخابي بسيطاً، هل نريد انتخابات نختار فيها من سيحمل مسؤولية تدبير الشأن العام، أم نريد مجرد موسم طويل من الفرجة السياسية، نتابع خلاله من انتصر في الكلاش ومن حصد أكبر عدد من المشاهدات
الفرق بين الأمرين كبير، لأن المواطن إذا تحول من ناخب يسائل إلى جمهور يتابع، فإنه لا يفقد فقط دوره في النقاش السياسي، بل يتنازل أيضاً عن جزء من قدرته على محاسبة من سيصل إلى مواقع القرار
فالانتخابات ليست ملكاً للأحزاب وحدها، وليست ملكاً للمرشحين، إنها في النهاية لحظة المواطن، وإذا لم يفرض المواطن أسئلته وأولوياته على الحملة، فسيجد نفسه مجبراً على متابعة أجندة يصنعها الآخرون، وحين تنتهي الفرجة ويبدأ تدبير الواقع، لن يكون أمامه سوى العودة إلى الطاولة وطرح الأسئلة التي كان يجب أن يطرحها قبل أن يصوت

التعاليق (0)