شهدت العلاقات الدولية محطة مفصلية في الثلاثين من أكتوبر 2026، بعد أن فشل مجلس الأمن الدولي في تمديد ولاية بعثة “المينورسو”، إثر مواجهة دبلوماسية حادة بين القوى العظمى أسقطت مشروعي قرار متنافسين. هذا الانسداد الذي جرى في اليوم الأخير من التفويض الأممي الممنوح بموجب القرار السابق رقم 2797، أدخل النزاع الإقليمي مرحلة التصفية الميدانية للبعثة، والتحول الشامل نحو فرض الأمر الواقع وبسط السيادة الكاملة للمملكة المغربية على أقاليمها الجنوبية.
يتناول هذا المقال التحليلي الشامل كافة الأبعاد القانونية، والسياسية، والميدانية، والإقليمية لقرار مجلس الأمن والتطورات المرتبطة به.
أولاً: كواليس المعركة الدبلوماسية وأسباب الانسداد
انفجرت الأزمة داخل أروقة الأمم المتحدة بسبب اصطدام رؤيتين دوليتين حول مستقبل هندسة الحل:

• المشروع الأمريكي (حامل القلم): سعى إلى إحداث ثورة هيكلية في الملف، عبر حسم مسألة المفاوضات على أساس مبادرة الحكم الذاتي المغربية كحل وحيد وأوحد، مع إعادة هيكلة البعثة وحذف كلمة “الاستفتاء” من تسميتها لتتحول إلى “المينوسو” (MINUSO). حظي المشروع بتأييد 11 عضواً، لكنه أُسقط بالفيتو الروسي.
• المشروع الروسي البديل: حاول تمديد البعثة لمدة سنة إضافية بصيغتها القديمة والتقليدية دون إدخال أي تعديلات سياسية، وهو ما سقط بدوره لعدم حصوله على الدعم الكافي وفيتو أمريكي مضاد.
هذا المأزق الدبلوماسي عنى قانونياً انتهاء الغطاء القانوني لوجود البعثة الأممية بعد 35 عاماً من تأسيسها.
ثانياً: الأبعاد القانونية ومحدودية صلاحيات الأمين العام
في ظل هذا الفراغ الإجرائي، ثار جدل قانوني حول إمكانية تدخل الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، لتفادي الفراغ:
• التفويض الحصري: ميثاق الأمم المتحدة يمنح مجلس الأمن حصراً سلطة تمديد أو تعديل مهام البعثات. ولا يملك الأمين العام أي سلطة تنفيذية لتمديد عمل البعثة منفرداً.
• الدور اللوجستي الانتقالي: تقتصر مهام الأمانة العامة حالياً على الإشراف الفني على خطة الانسحاب المنظم وتصفية مقرات وآليات البعثة بالتنسيق مع السلطات المغربية.
• المساعي الحميدة: يظل بإمكان المبعوث الشخصي تقديم مشاورات سياسية، لكنها تظل دون فاعلية ميدانية أو أدوات مراقبة على الأرض.
ثالثاً: الأبعاد الميدانية (إنهاء المنطقة العازلة وتغيير قواعد الاشتباك)
أحدث عدم التمديد زلزالاً ميدانياً على طول الحزام الأمني، تمثل في الآتي:
• تصفية المنطقة العازلة: بسقوط “المينورسو”، انتهى الأساس القانوني لاتفاقية وقف إطلاق النار لعام 1991 التي كانت تفرض وجود منطقة عازلة منزوعة السلاح شرق الجدار الرملي.
• السيادة الميدانية الشاملة: يمنح هذا الوضع الجيش المغربي مشروعية التحرك الميداني لدخول المناطق العازلة السابقة (مثل تيفاريتي، وبير لحلو, والمحبس) لتطهيرها وتثبيت نقاط المراقبة وتأمين الحدود بالكامل.
• الرد الصارم والتكنولوجيا العسكرية: أعلن المغرب التزامه الذاتي بوقف إطلاق النار، مع احتفاظه بحق الرد الفوري الصارم بأحدث التقنيات والمسيرات الجوية ضد أي تحرك أو تسلل معادٍ وراء الجدار.
رابعاً: الأبعاد السياسية والدبلوماسية (تجميد المسار الأممي)
أوضح بلاغ الديوان الملكي المغربي الصادر عقب الجلسة أن هذا التطور يشكل بداية لمرحلة مغايرة تماماً:
• إقبار المسار التقليدي لمجلس الأمن: يرى المغرب أن انتهاء وجود البعثة يسقط مبرر الإحالة الدورية للملف على مجلس الأمن، ويضع حداً للتقارير السنوية وجلسات الإحاطة العقيمة التي ساهمت في إدامة الجمود.
• الانتقال إلى العلاقات الثنائية والإقليمية: نقل المعركة الدبلوماسية بشكل كامل من أروقة نيويورك إلى فضاء الحسم عبر الاتفاقيات السياسية والاقتصادية الثنائية.
ويستند المغرب في ذلك إلى الدعم الصريح لمبادرة الحكم الذاتي من قِبل أكثر من ثلثي أعضاء الأمم المتحدة، بما فيهم قوى عظمى دائمة العضوية مثل فرنسا والولايات المتحدة.
خامساً: الأبعاد الإقليمية ومخاطر التصعيد العسكري
يطرح غياب الوسيط الأممي مخاوف إقليمية حول مآل الأوضاع الأمنية في شمال إفريقيا:
• حرب الاستنزاف المحدودة: من المتوقع أن تحاول جبهة البوليساريو والجزائر تعويض الخسارة السياسية الفادحة عبر تكثيف الاستفزازات وإطلاق المقذوفات خلف الجدار، إلا أن التفوق التكنولوجي والجوي للمغرب يجعل هذه المحاولات محصورة الأثر ودون قيمة إستراتيجية قادرة على تغيير الواقع.
• استبعاد الحرب الإقليمية الشاملة: تظل المواجهة العسكرية المباشرة بين المغرب والجزائر مستبعدة نظراً للفيتو الدولي القوي؛ فالقوى الكبرى (بما فيها أوروبا وروسيا والصين) ترفض اندلاع حرب شاملة في جنوب البحر الأبيض المتوسط تهدد إمدادات الطاقة، وتدفقات الملاحة البحرية، وتخلق أزمة لاجئين ضخمة تفيد التنظيمات الإرهابية في منطقة الساحل.
إن الفيتو الروسي الذي هدف إلى كبح جماح المساعي الأمريكية لترسيخ الحكم الذاتي، أدى كأثر جانبي غير مقصود إلى إنهاء أداة التدويل الأممية (المينورسو). هذا التطور عجل بانتقال المغرب من منطق “تدبير النزاع” إلى “حسمه النهائي” عبر فرض الأمر الواقع ميدانياً، والاعتماد على الزخم المتصاعد للاعترافات السياسية الدولية بسيادته الكاملة على تراب صحرائه.
طانطاني24 – متابعة.

التعاليق (0)