ساحة الحمام بالدار البيضاء: بين نوستالجيا الماضي ورزق الحاضر.

ساحة الحمام بالدار البيضاء، مكان اشتهر منذ زمان بعيد بتجمع الحمام حول نفورة، حيث أصبحت وجهة للزوار والسياح. اشخاص مغاربة وأجانب يتجهون الى هذا المكان، من اجل التقاط صور الذكريات وإطعام الحمام، والاستمتاع بالأجواء هنا، الامر الذي أتاح للبعض فرصة عمل، من خلال توثيق هذه اللحظات بالصورة وبيعها لأصحابها. أكثر من ذلك، هناك من يأتي مع ابنائه لربط الحاضر بالماضي، واسترجاع أيام طفولته مع والديه بصيغة أخرى مع ابنائه، وهناك من يأتي لاستجماع طاقته وتجديد نشاطه والتخفيف من ضغط العمل والحياة من خلال مشاهدة الحمام.

رشيد داودي أحد المصورين بساحة الحمام، من مواليد 1971، إعجابه بالكاميرا وهواية التصوير، كان حافزا في بداية علاقته بهذه الفضاء سنة 1991، كمساعد لأحد المصورين بالمكان، اقتصرت مهمته في تلك الفترة على كونه حلقة وصل بين المصور وستوديو التصوير، من خلال حمل شريط التصوير (الفيلم) إلى ستوديو من اجل استخراج الصور والعودة لتسليمها لأهلها.
ومع مرور الأيام، امتهن رشيد داودي هذه المهنة، وأصبح بدوره يقوم تصوير الزوار والسياح، وفي اجابه له عن أسئلة الطلبة الصحافيين، أكد أن هذه الساحة تشهد حركة على طول السنة، خصوصًا فصلي الصيف والشتاء. واشار إلى انه رغم كل الظروف المناخية يبقى هذل المكان نابضة بالحياة. وفي نفس السياق، أضاف رشيد ان أكثر الجنسيات زياراةً لهذا الفضاء هم صينيون، بالإضافة إلى باقي الجنسيات الأوروبية (فرنسا ـ اسبانيا..)، استكمالاً لحديثه قال يتم التواصل مع هؤلاء السياح باللغة الإنجليزية أو الفرنسية، بالإضافة إلى استعمال الهاتف في الترجمة والتواصل، خصوصًا مع الصينيين.

وفي أجابه عن طريقة العمل، قال رشيد أن هناك مجموعة من المصورين، يتم العمل بتوافق بينهم وفق نظام (النوبة)، وفتح المجال امام كل المصورين من أجل الحصول عن المدخول اليومي الذي يتراوح بين 100 و500 درهم في اليوم، مؤكدا أن المدخول يكون عبر ثمن 20 درهما للصورة أو ثمن رمزي (اختياري) مقابل شراء علف الحمام، إلى جانب ذلك، قال أن من أجل العمل لابد لك من الحصول على رخصة من عمالة الدار البيضاء انفا، وكانوا يؤدون ضريبة سنويا قدرها 720 درهماً، قبل أن يتم إعفائهم منها، وإلحاقا بكلامه، قال إنهم كمصورين هنا يتوفرون عن جمعية تترافع عنهم، ولديها كاتب عام، وأشار إلى شخص يعد من أقدم المزاولين لهذه المهنة، وهو حاليا كاتب للجمعية، حاولنا التواصل معه أجل الاستفسار عن مجموعة من الأمور “طريقة عمل الجمعية، أهدافها، المشاكل التي يعانون منها” لكنه امتنع عن الإجابة بجملة ” ماغدي نجاوبك عينا من هذا شي نتاع الصحافة”، الامر الذي يدفعنا نطرح السؤال التالي: ما الذي دفع هذا الرجل الى هذا الموقف من الصحافة؟

وفي نفس السياق، قال رشيد إن هناك تفاعلا لا يزال قائمًا، من طرف جميع الزوار والسياح، سواء مغاربة أو أجانب رغم أن أغلبيتهم يفضلون توثيق تلك اللحظات بهواتفهم الذكية، الا أن هذه المهنة تعد مصدر دخله الوحيد، شاكرًا لله عليها، وأنه بفضل هذه المهنة أستطاع هو وباقي المصورين من بناء منازلهم وتكوين أسرهم.

وفي الجانب الاخر سكينة، إحدى الزوار مع ابنها لهذا المكان، التي وصفت المكان بأنه رائع بوجود الحميمات، كصيغة تصغير لكلمة الحمام، مؤكدة ان هذا التصغير دليل عن جمالية هذا المكان بوجودهم، واعتبرت هذه الساحة أحد المعالم التاريخية للدار البيضاء، ولا يمكن التخلي عنها بكل سهولة، واضافت حضورها هنا مع ابنها بشكل مستمر هو ربط الحاضر مع الماضي، من خلال ما كانت تعيشه مع أمها في صغرها من ذكريات، تسترجعه مع أبنها اليوم بصيغة أخرى.

اما امال، علاقة اخرى بالساحة. عندما تنتهي من دوام عملها، تزور هذا المكان، من أجل تجديد نشاطها، والتخفيف عن نفسها من ضغط الحياة والعمل. وفي حديث معها، قالت أنها تأتي مرتين أو ثلاث مرات في الأسبوع، تجلس وحدها تستمتع بحركة المكان و الحمام، والمكان المفتوح الذي يسمح بالتنفس بشكلٍ الجيد والاستمتاع. واضافة رغم انها انسان نشيطة ومرحة وتستقبل الحياة بوجه بشوش وابتسامة، إلا أنها تحتاج الى هذه النزهة بشكل منتظم في حياتها، لإفراغ الطاقة السلبية هنا، وتحمل معها الطاقة الإيجابية معها الي مكان عملها، الذي يحتاجها فيه كل زوارها.

ورغم بساطة المكان، تظل ساحة الحمام شاهدةً على لحظات فرح وحنين، وعلى قصص أناس وجدوا فيها أكثر من مجرد فضاء للترفيه، بل ملاذًا نفسيًا ومصدر عيش، مما يجعلها جزءًا حيًا من ذاكرة مدينة الدار البيضاء لا يمكن أن يندثر بسهولة، غير أن السؤال يظل مطروحًا: هل ستصمد هذه المهنة وهذا الفضاء أمام زحف التكنولوجيا، أم أن الزمن كفيل بتغيير ملامحها؟
حمادي ديدا حمادي .

#طانطاني24

اترك رد