تُعرف جهة كلميم وادنون بكونها بوابة الصحراء، وهو لقب ارتبط بمكانتها التاريخية منذ القدم كمحطة رئيسية لالتقاء القوافل التجارية القادمة من عمق الصحراء الكبرى. فقد كانت كلميم فضاءً حيوياً للتبادل التجاري، حيث يجتمع التجار للبيع والشراء وتبادل السلع في أجواء يسودها الانفتاح والثقة.
هذا الدور التاريخي أسهم في تشكيل هوية اجتماعية مميزة لساكنة المنطقة، عُرفت بالهدوء والسكينة وروح التعايش. إذ كان الترحيب بالزوار يتم بشكل عفوي، دون مواعيد أو ترتيبات مسبقة، في مجتمع قائم على الكرم والتضامن. ومع مرور الزمن، انتقلت الساكنة من نمط العيش في الخيام المفتوحة إلى الاستقرار في منازل، غير أن هذه التحولات العمرانية لم تُفقد المكان روحه، حيث ظلت الأبواب مفتوحة، في دلالة رمزية على الأمان والثقة المتبادلة.
بهذا المعنى، لم تكن كلميم وادنون مجرد مجال جغرافي، بل شكلت فضاءً يعكس قيم الطمأنينة والاستقرار. غير أن هذه الصورة، التي ظلت راسخة لسنوات، بدأت تعرف في الآونة الأخيرة تحولات لافتة، مع تسجيل عدد من الظواهر التي تثير قلق الساكنة.
فقد أصبحت مدن كلميم وآسا وطانطان وسيدي إفني تشهد، بحسب متابعين، بروز سلوكات لم تكن مألوفة في السابق، من قبيل السرقات وحالات التحرش، إلى جانب تداول أخبار عن محاولات اختطاف، وهو ما خلق حالة من التخوف في صفوف الساكنة.
هذه التحولات، التي تتناقلها الساكنة عبر مواقع التواصل الاجتماعي وتتناولها بعض المنابر المحلية، أعادت إلى الواجهة سؤال الأمن داخل الجهة، ودفعت العديد إلى التساؤل حول الأسباب الكامنة وراء هذا التغير، بعد أن كانت المنطقة تُضرب بها الأمثال في الطمأنينة والاستقرار.
وفي سياق البحث عن تفسير لهذه التحولات، لا يمكن تقديم إجابة دقيقة دون الوقوف عند مجموعة من المتغيرات التي شهدتها الجهة خلال السنوات الأخيرة، والتي يبدو أنها ساهمت بشكل مباشر في بروز هذه الأوضاع.
في مقدمة هذه العوامل، يبرز ارتفاع نسبة البطالة بشكل مقلق، خاصة في صفوف الشباب. فغياب فرص الشغل، وضعف الإدماج الاقتصادي، يجعلان فئة واسعة تعيش حالة من الإحباط والفراغ، ما قد يدفع بعضهم إلى البحث عن مصادر دخل بديلة، حتى وإن كانت عبر سلوكيات غير قانونية، دون التفكير في العواقب.
إلى جانب ذلك، يُسجل انتشار مقلق لظاهرة تعاطي المخدرات وسط الشباب، والتي تحولت في بعض الحالات إلى إدمان حقيقي. ويرى متتبعون أن الفراغ اليومي، الناتج عن البطالة وقلة الأنشطة الموجهة، يشكل أحد أبرز الأسباب وراء تفشي هذه الظاهرة، حيث يجد بعض الشباب في المخدرات وسيلة للهروب من واقعهم الصعب.
وعند الربط بين هذه المعطيات، تتضح صورة أكثر تعقيدا، إذ يشكل تداخل البطالة مع انتشار المخدرات أرضية خصبة لظهور سلوكيات منحرفة قد تتطور إلى أفعال إجرامية. وفي هذا الإطار، يعتبر عدد من المتابعين أن البطالة تظل من بين الأسباب الرئيسية التي تغذي هذه الاختلالات، ما يستدعي معالجتها كأولوية ضمن أي مقاربة تهدف إلى استعادة التوازن الاجتماعي وتعزيز الإحساس بالأمن داخل الجهة.
حمادي أوس
#طانطاني24 #الصحراء #ظواهر