أسئلة “الخوف الانتخابي” وحدود البراغماتية في مشروع الحكم الذاتي
محمد جرو – العيون
إقرار القرار الأممي 2797 شكّل محطة جديدة في مسار ملف الصحراء، مسارٌ بدأ يتبلور منذ 11 أبريل 2007 عندما تقدّم المغرب بمقترح الحكم الذاتي بديلاً عملياً لمفهوم “الاستفتاء” الذي تأكدت استحالته منذ أن عجزت لجنة تحديد الهوية عن حسم من هو “الصحراوي المعني”، قبل حوالي نصف قرن. ومنذ ذلك الحين، رسخت غالبية دول العالم – ومن بينها ثلاثة من الأعضاء الدائمين في مجلس الأمن – قناعة بجدية وواقعية المقترح المغربي باعتباره أرضية الحل الوحيدة على الطاولة.
وفي هذه اللحظة التي تُدار فيها صفحة جديدة من الملف، وتُنفض فيها يد الأمم المتحدة من “خيار الاستفتاء”، جاء تصريح حمدي ولد الرشيد، رئيس جهة العيون الساقية الحمراء، ليحرّك نقاشاً واسعاً داخل وخارج الصحراء. فقد اعتبر أن الصحراويين المعنيين بالاستفتاء – وفق المقاربة الأممية القديمة – يمثلون “15%” فقط من ساكنة الصحراء، معتمداً على تعريف جغرافي يربط المناطق “المتنازع حولها” بما كان تحت الاستعمار الإسباني بين الطاح والگويرة. تصريحٌ رأى فيه البعض استبعاداً لجهة واد نون من المشهد السياسي المرتقب في زمن الحكم الذاتي.
ردود الفعل جاءت قوية، أبرزها من عبد الرحيم بن بوعيدة الذي اعتبر أن هذه النسب لا تعكس الواقع، وأن الصحراويين في مجموعهم – بمن فيهم آيت لحسن وآيت باعمران – جزء أصيل من المعادلة الديمغرافية والسياسية للمناطق الجنوبية. لكن النقاش سرعان ما أعاد ترتيب نفسه بعد خطاب الملك محمد السادس في 31 أكتوبر، حيث أكد العاهل المغربي بصفته رمز السيادة وضامن الوحدة الترابية، أنه “لا فرق بين الصحراويين بتندوف والصحراويين بالداخل”. رسالةٌ قطعت بأن المشروع ليس حكراً على جهة دون أخرى، ولا قبيلة دون أخرى، وأن الحكم الذاتي هو مشروع وطني بنَفَس شامل.
ورغم ذلك، فإن تصريح ولد الرشيد أعاد إلى الواجهة سؤالاً ظلّ كامناً: هل هناك “خوف انتخابي” من التغيير الذي قد يحدثه عودة صحراويي المخيمات واندماجهم في المشهد المحلي خلال أول انتخابات للحكم الذاتي؟ فبحسب البند 19 من المقترح المغربي، يُعدّ هؤلاء طرفاً في العملية السياسية بعد عودتهم، ما يعني إعادة تشكيل ميزان القوى الذي استفادت منه أطراف محددة منذ 1976. قراءة نفسية – وربما شخصية – تفسر خلفية تصريح رئيس جهة العيون، خاصة في ظل التحولات المحتملة على خارطة النفوذ القبلي والسياسي.
في المقابل، لا يمكن إغفال دور المجلس الملكي الاستشاري للشؤون الصحراوية “الكوركاس”، الذي سبق لرئيسه خليهن ولد الرشيد أن صرح بأن النسخة الأولى من مشروع الحكم الذاتي كانت “وليدة الكوركاس”. المجلس الذي رغم طابعه الاستشاري، ضمّ تمثيلاً لقبائل متعددة من ضمنها آيت باعمران، ما يعكس أن المقاربة الرسمية للمملكة لم تُقصِ أي مكوّن اجتماعي من معادلة الحل.
وتزداد الأسئلة اتساعاً عند قراءة صورة جمعت وزير الخارجية ناصر بوريطة والسفير عمر هلال بثلاثة ممثلين جهويين: حمدي ولد الرشيد وفطيمتو العدلي عن جهة العيون الساقية الحمراء، وينجا الخطاط عن جهة الداخلة وادي الذهب… مقابل غياب ممثل عن جهة واد نون. هل كان الأمر صدفة بروتوكولية أم رسالة سياسية؟ الجواب جاء – بوضوح – في خطاب الملك: القضية تهم الجميع، والحكم الذاتي مشروع يشمل كل الجهات من العيون إلى واد نون مروراً بالداخلة، دون تمييز أو استثناء.
اليوم، ومع اقتراب تنزيل مشروع الحكم الذاتي كحل وحيد على الطاولة الدولية، تبدو المملكة مقبلة على لحظة سياسية جديدة عنوانها: جهوية متقدمة، ملكية برلمانية، ومؤسسات محلية منتخبة بشفافية ونزاهة، تمتد من طنجة إلى الگويرة. لحظة ستتيح – لأول مرة – فرصة إعادة توزيع السلطة والتمثيلية وفق مبادئ العدالة المجالية واحترام الخصوصيات المحلية، بعيداً عن منطق الامتيازات الذي حكم مراحل سابقة.
إن النقاش الذي أثاره تصريح ولد الرشيد ليس عابراً، لكنه فرصة تاريخية لتأكيد أن وحدة الصحراء لا تُختزل في جهة أو قبيلة، وأن الحكم الذاتي ليس مجرد حل سياسي، بل مشروع مجتمع كامل سيشارك في صياغته كل أبناء الأقاليم الجنوبية، بمن فيهم أهل واد نون وآيت باعمران… وكل الصحراويين أينما كانوا.
قضي الأمر الذي كنتم فيه… وبدأت مرحلة جديدة تُكتب بيد الجميع.