أحالت الولايات المتحدة الأمريكية إلى أعضاء مجلس الأمن الدولي نسخة منقحة من مشروع القرار المتعلق بالصحراء المغربية، حملت تعديلات على عدد من المقتضيات السياسية والأمنية والإنسانية الواردة في المسودة الأولى، دون المساس بالمرتكز الرئيسي للمشروع، المتمثل في اعتماد مقترح المغرب للحكم الذاتي الموسع والمحيّن تحت السيادة المغربية أساساً وحيداً لمواصلة المفاوضات.
وجاءت النسخة الجديدة، التي وزعتها واشنطن بصفتها حاملة القلم في الملف، عقب انتهاء المهلة المخصصة لأعضاء مجلس الأمن لإبداء ملاحظاتهم على المسودة الأولى، خلال الفترة الممتدة من 16 إلى 26 أكتوبر الجاري، وذلك في إطار المشاورات الدبلوماسية الرامية إلى التوصل إلى صيغة نهائية تحظى بالدعم اللازم داخل المجلس، قبيل التصويت المرتقب يوم الجمعة 30 أكتوبر 2026.
الحكم الذاتي في صلب المقاربة الأمريكية
وحافظت الوثيقة المنقحة على الإحالة إلى قرار مجلس الأمن رقم 2797 الصادر سنة 2025، كما أبقت على الإشارة إلى تنامي دعم عدد من الدول الأعضاء لمقترح المغرب للحكم الذاتي تحت السيادة المغربية.
ومن أبرز التعديلات التي حملتها النسخة الجديدة تخفيف الصياغة المتعلقة بوصف الحكم الذاتي، إذ انتقلت من اعتباره «الحل الوحيد القابل للتطبيق» إلى وصفه بأنه «الحل الأكثر قابلية للتطبيق»، مع الإبقاء على مقترح الحكم الذاتي المغربي الموسع والمحيّن أساساً وحيداً للمفاوضات بشأن تسوية سياسية للنزاع.
كما أعادت الصياغة المنقحة التأكيد على مبدأ تقرير المصير ضمن المقتضيات المرتبطة بالحل السياسي، في خطوة تعكس محاولة أمريكية للتوفيق بين الإبقاء على المبادرة المغربية في صلب المسار التفاوضي ومراعاة المرجعيات الأممية التي يستند إليها النقاش داخل مجلس الأمن.
مستقبل المينورسو.. تعديلات على المهام والجدول الزمني
وشملت التعديلات أيضاً مستقبل بعثة الأمم المتحدة في الصحراء، المعروفة اختصاراً بـ«المينورسو»، إذ تخلت النسخة المنقحة عن الجدول الزمني الصارم الذي تضمنته المسودة الأولى بشأن إنهاء مكون حفظ السلام في 30 أبريل 2027، وتحويل البعثة ابتداء من فاتح ماي من السنة نفسها إلى بعثة سياسية خاصة.
كما حذفت الصيغة الجديدة المقتضى الذي كان ينص على خفض عدد الأفراد النظاميين المصرح بهم للبعثة بنسبة لا تقل عن 50 في المائة بحلول 31 يناير 2027، مع الإبقاء على إمكانية مراجعة هيكلها ومواردها وانتشارها الميداني في ضوء المقترحات التي سيقدمها الأمين العام للأمم المتحدة.
وفي المقابل، تقترح المسودة تمديد ولاية البعثة إلى غاية 31 أكتوبر 2027، مع تغيير اسمها ابتداء من فاتح نونبر 2026 إلى «بعثة الأمم المتحدة في الصحراء الغربية»، بما يعني حذف الإشارة إلى الاستفتاء من التسمية، وتأجيل الحسم في أي تحول جوهري في طبيعة مهامها إلى قرار لاحق لمجلس الأمن.
وتطلب الوثيقة من الأمين العام للأمم المتحدة تقديم مقترحات مفصلة بشأن هيكل البعثة وتشكيلها ومواردها، بما في ذلك إمكانية تقليص عدد أفرادها وإغلاق بعض مواقع الفرق أو دمجها، وذلك في موعد أقصاه 30 يناير 2027، على أن يقرر المجلس بشأن مستقبل البعثة في ضوء هذه المقترحات والتقدم المحرز في العملية السياسية.
دور الأمم المتحدة والولايات المتحدة في المفاوضات
وجدد المشروع دعمه للأمين العام للأمم المتحدة ومبعوثه الشخصي إلى الصحراء، ستافان دي ميستورا، كما رحب بالدور الأمريكي في تيسير ثلاث جولات من المناقشات المباشرة التي احتضنتها واشنطن ومدريد، بمشاركة المغرب وجبهة البوليساريو والجزائر وموريتانيا.
وتدعو الصيغة المنقحة الأطراف المعنية إلى الانخراط بصورة بناءة في العملية السياسية، مع توسيع المشاورات التي يجريها المبعوث الشخصي لتشمل مختلف المكونات والمحاورين الصحراويين، بما في ذلك الفاعلون داخل الأقاليم المعنية ومخيمات تندوف والشتات، على أن تنعكس نتائج هذه المشاورات في تقارير الأمين العام.
وفي سياق متصل، حذفت النسخة الجديدة بعض المقتضيات التي كانت تتضمن انتقادات مباشرة لعدم انخراط أحد الأطراف بشكل كافٍ في المفاوضات، فضلاً عن صياغة كانت تلوّح بإمكانية اتخاذ تدابير إضافية في حال عدم التعاون البناء، مع الإبقاء على الدعوة إلى وقف الأعمال العدائية والالتزام بإنهاء التصعيد العسكري.
البعد الإنساني ومخيمات تندوف
ولم تقتصر التعديلات على الجوانب السياسية والأمنية، بل شملت أيضاً مقتضيات مرتبطة بالوضع الإنساني في مخيمات تندوف، إذ حافظ المشروع على الدعوة إلى استكمال تسجيل السكان في المخيمات من طرف المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، خلال أجل لا يتجاوز ستة أشهر، وفقاً للقانون الدولي ودون تدخل من أي طرف.
كما تؤكد الصياغة أهمية دور المفوضية في تنفيذ الحلول الطوعية والمستدامة الممكنة للاجئين، في إطار معالجة الجوانب الإنسانية المرتبطة بالنزاع.
مسودة معدلة في انتظار الحسم داخل مجلس الأمن
وتكشف التعديلات التي أدخلتها واشنطن عن سعيها إلى تهيئة صيغة أكثر مرونة من الناحية الإجرائية واللغوية، بهدف تسهيل التوافق داخل مجلس الأمن، مع الإبقاء على المبادرة المغربية للحكم الذاتي في موقع مركزي ضمن الإطار المقترح للمفاوضات.
وبينما تخلت النسخة المنقحة عن بعض المقتضيات الأكثر تشدداً بشأن مستقبل البعثة الأممية والجدول الزمني لإعادة هيكلتها، فإنها حافظت على التوجه العام للمشروع، سواء فيما يتعلق بالحكم الذاتي أو بإعادة النظر في تسمية البعثة ومهامها.
ومن المرتقب أن يشكل التصويت المقرر يوم الجمعة 30 أكتوبر الجاري محطة حاسمة لتحديد الصيغة التي سيعتمدها مجلس الأمن بشأن ملف الصحراء، علماً أن الوثيقة المتداولة لا تزال مشروع قرار قيد التفاوض، وأن اعتماد مقتضياتها النهائية يظل رهيناً بما ستسفر عنه المشاورات والمصادقة داخل المجلس.
طانطاني24 – متابعة

التعاليق (0)