تابعت خلال الأيام الأخيرة، عبر منصات التواصل الاجتماعي، الصور المنشورة بشأن تنظيم قافلة طبية بالمستشفى الإقليمي لآسا الزاك، وما رافقها من تفاعلات وتعليقات متباينة بين مؤيد يرى فيها مبادرة إيجابية، ومعارض يتساءل عن جدواها ومدى قدرتها على الاستجابة للاحتياجات الصحية الحقيقية لساكنة الإقليم.
ومن بين أبرز التساؤلات التي أثارتها هذه المبادرة، مسألة عدم الإعلان المسبق عن القافلة، بما يتيح للمواطنين، خصوصا الفئات الهشة، فرصة الاستفادة من خدماتها. كما ذهب عدد من المتفاعلين إلى التأكيد على أن الجماعات القروية، التي تعاني من ضعف العرض الصحي وبعد المسافة عن المؤسسات الطبية، هي الأولى بمثل هذه المبادرات، وليس الاقتصار على المجال الحضري.
في المقابل، عبّر آخرون عن تشكيكهم في الأثر الفعلي لهذه القوافل، معتبرين أنها قد تتحول، في بعض الحالات، إلى مناسبات لالتقاط الصور وتجميل المشهد، دون أن تترك أثراً مستداماً على واقع الخدمات الصحية بالإقليم.
وفي خضم هذا النقاش، تستحضر الذاكرة تصريحا لأحد شباب، والذي أصبح اليوم برلمانيا، حين أكد أن ساكنة هذه المناطق ليست لاجئة حتى تظل رهينة المساعدات والقوافل الطبية العابرة، بل هي مواطنون لهم الحق في خدمات صحية مستقرة ومؤسسات طبية مجهزة.
وهنا يبرز السؤال الجوهري: هل يحتاج إقليم آسا الزاك إلى قوافل طبية موسمية، أم إلى مستشفى إقليمي متكامل يستجيب لانتظارات الساكنة ويضمن حقها في العلاج؟
إن الإقليم، بما يحمله من خصوصية جغرافية وحدودية، وبما قدمه أبناؤه من تضحيات، يستحق عرضا صحيا يضمن الكرامة الإنسانية ويضع حدا لمعاناة المرضى مع التنقل والبحث عن العلاج خارج الإقليم. فالقوافل الطبية، مهما كانت أهميتها، تظل مبادرات ظرفية لا يمكن أن تعوض نقص التخصصات الطبية، أو غياب التجهيزات الضرورية، أو محدودية الموارد البشرية.
كما أن النقاش يستحضر، بمرارة، واقعة وفاة فتاة في مقتبل العمر بالمستشفى الإقليمي أثناء وضع مولودها، وهي حادثة تطرح أسئلة مؤلمة حول ظروف التكفل الصحي ومدى توفر شروط السلامة والرعاية اللازمة. وتبقى الحاجة قائمة إلى توضيح ملابسات هذه الواقعة من الجهات المختصة، وفتح تحقيق مسؤول وشفاف، ضمانا لحق الأسرة في معرفة الحقيقة.
إن المطلوب اليوم ليس التقليل من أهمية المبادرات الطبية أو التشكيك في نوايا القائمين عليها، وإنما وضعها في سياقها الصحيح؛ باعتبارها إجراءات مؤقتة لا ينبغي أن تحجب الحاجة الملحة إلى إصلاح عميق ومستدام للمنظومة الصحية بالإقليم.
فآسا الزاك لا تحتاج فقط إلى قوافل تأتي وتغادر، ولا إلى صور توثق لحظات عابرة، بل تحتاج إلى مستشفى إقليمي يليق بساكنتها، وإلى أطباء متخصصين، وتجهيزات طبية متطورة، وموارد بشرية كافية، وخدمات صحية تحفظ للمواطن حقه في العلاج والحياة.
فالصحة ليست إحسانا موسميا، بل حق دستوري، والكرامة الصحية لا تبنى بالقوافل العابرة، وإنما بمؤسسات دائمة وسياسات عمومية منصفة.
الصورة من صفحة “اش واقع في اسا الزاك”

التعاليق (0)