الدبلوماسية القبلية… أداة التأثير الغائبة في مقاربة المغرب للعلاقة مع موريتانيا

تشهد الساحة الموريتانية منذ سنوات تنافسًا صامتًا بين الخطابات المؤثرة في الرأي العام، حيث يبرز العامل القبلي كأقوى محدد للانتماء والتفاعل السياسي والاجتماعي. وبينما أدركت أطراف عدة أهمية هذا العامل في بناء النفوذ داخل البلاد، ظل المغرب، وفق عدد من المتابعين، بعيدًا عن توظيف إحدى أهم أدواته الطبيعية: الامتداد الشنگيطي المتجذر في قبائل الجنوب المغربي.

فالسياق القبلي في موريتانيا يبقى المحدد الأول للتأثير، حيث تعمل البنية الاجتماعية القائمة على الروابط التاريخية والدم والنسب، أكثر مما تتأثر بالبلاغات الرسمية أو الخطابات السياسية المجردة. هذا الواقع، كما يراه محللون، جعل الساحة مفتوحة أمام الدعاية الانفصالية التي استثمرت بقوة في هذا العمق القبلي، في مقابل غياب شبه كامل للخطاب الوحدوي القادم من القبائل الصحراوية المغربية ذات الامتداد المشترك.

وتشير المعطيات التاريخية إلى وجود 37 قبيلة جنوبية مغربية ذات جذور شنگيطية واضحة، صنّفها الإحصاء الإسباني في الفئتين J51 وJ52، وتُعد من أكبر المكوّنات القبلية المؤثرة على جانبي الحدود. ورغم هذا العمق المشترك، لم تستثمر الدبلوماسية المغربية، حسب مراقبين، في ربط هذه القبائل بنظيراتها في موريتانيا، تاركة المجال مفتوحًا أمام روايات انفصالية تتسلل بسهولة إلى الوجدان الموريتاني.

ويؤكد متابعون للشأن الإقليمي أن المواطن الموريتاني لا يكاد يسمع صوت الوحدويين من أبناء عمومته في الجنوب المغربي، بينما يتلقى من الطرف الآخر خطابًا متواصلًا وبلهجة قريبة إلى عمق الانتماء القبلي. وهو ما جعل الرواية الانفصالية – رغم هشاشتها – تحظى بحضور أقوى من الخطاب الوحدوي المدعوم بشرعية تاريخية وجغرافية وثقافية.

ويرى هؤلاء أن تغييب الدور الطبيعي لقبائل الجنوب لا يخدم المغرب، بل يمنح خصومه أفضلية ميدانية في التأثير على الرأي العام في نواكشوط ومحيطها. كما أن استمرار التعويل على القنوات الرسمية وحدها يُعد، حسب تصريحات متطابقة، مقاربة غير كافية في بيئة تُدار فيها العلاقات ببوصلة العمق القبلي قبل أي شيء آخر.

أصوات عدة أصبحت تدعو، اليوم، إلى إعادة تشغيل ما تسميه “الدبلوماسية القبلية الموازية”، عبر منح القبائل الصحراوية ذات الامتداد الشنگيطي مساحة أكبر للتواصل مع نظيراتها في موريتانيا، بما يعزز الروابط التاريخية ويعيد التوازن داخل الفضاء الإعلامي والاجتماعي الذي هيمنت عليه الدعاية الانفصالية لسنوات.

فالقضية، رغم عدالتها، تظل في حاجة إلى صوت قوي يصل إلى الجمهور الذي يُفترض أن يكون الأقرب إلى فهم عمقها. وفي غياب هذا الصوت، يظل المجال مفتوحًا أمام روايات بديلة تملأ الفراغ، وتعيد تشكيل الوعي بعيدًا عن الحقائق التاريخية المشتركة بين الشعبين.

طانطاني 24 – قسم الصحراء المغربية

اترك رد