باعتبارها مصدرا و ناشرا للأخبار، اعتادت القنوات الإذاعية و التلفزية، فضلا عن الصحف و المواقع الإخبارية الإلكترونية، إخبار زوارها و مطالعيها، بشكل يكاد يصبح معتادا، بحوادث كانت إلى عهد قريب نادرة أو في حكم المنعدم، وذلك قبل أن تتحول، في الفترة الأخيرة، إلى مواضيع معتادة و مألوفة لدى جمهور القراء و متابعي الأحداث المحلية.
الحوادث المقصودة هنا، تتعلق في المقام الأول بما يمكن تسميته تحولات جسيمة عرفها المجتمع المغربي في علاقته بالدولة و أجهزتها الموكول لها ممارسة اختصاص حفظ النظام و إنفاذ القانون.
في العقود الماضية، تمتعت أدوات المحافظة على الأمن، وتحديدا جهاز الشرطة، باحترام فائق من قبل مختلف طبقات و أفراد المجتمع، إذ مثَّــل هذا الجهاز العنوان الأبرز لسلطة الدولة المادية و الأدبية، و بصرف النظر عن تجاوزات محتملة قد تكون ارتكبتها في تواريخ معينة، فقد ظلت الشرطة طوال الفترات السابقة تحظى بالقدر اللازم من الهيبة بل و الخوف من قبل معظم الناس.
لكن الأمر، كما يبدو، لم يستمر على نفس النهج و الحال، إذ انتقل، بتأثير جملة من التغيرات الثقافية و السوسيولوجية، إلى وضع مختلف، وضعٍ أصبح يفرض على المتابع إثارة تساؤلات منطقية و واجبة حول التغيرات التي لحقت بطبيعة علاقة الفرد/المجتمع بأجهزة حفظ النظام و الأمن.
لقد انتقل رجل الشرطة، في الوقت الراهن، من وضع الفاعل الضابط للجريمة و مرتكبيها، العامل على حماية الممتلكات و الأرواح، إلى وضع أصبح فيه هو نفسه موضوعا للجريمة بكل أصنافها و تلاوينها، و هذا أمر مؤكد تثبته حالات التطاول المتكررة المسجلة ضد رجال الشرطة العاملين بمختلف درجاتهم و مجالات عملهم، تطاولات تُطلعنا عليها، بشكل متواتر، مصادرُ الأخبار، جانحون يُشهرون أسلحة في وجه رجال الشرطة، مجرمون يستخدمون كلابا من فصائل شرسة لمقاومة تدخلات الأمن، لكن يبدو أن الأمر لم يقف عند هذه الحدود القصوى، بل انتقل إلى مستوى أفعال أكثر خطورة بكثير، أفعالا منظمة و مخطط لها بعناية من أجل استهداف حياة شرطي عبر سلسلة من الجنايات المتتالية، بدأت بالإغتيال و السطو على سلاحه الوظيفي و انتهت بإحراق سيارة و التخلص من جثة الضحية بطريقة تنعدم فيها كل الضوابط الأخلاقية و الإنسانية.
هل يتجه المجتمع المغربي، بمثل هذه الجرائم المخزية، إلى فقدان دعائم الإستقرار و التحول إلى مجتمع فوضوي تنعدم فيه ضوابط و ضمانات حماية أرواح الناس من شرور الجناة؟ و هل هناك خللٌ في بنية المجتمع سمح بالتطاول على أجهزة الأمن بهذه الصورة المقلقة؟ و هل المجتمع في حاجة إلى تقْويمٍ فعلي تمتد أطواره من الأسرة إلى المدرسة و إلى مؤسسات المجتمع المختلفة؟ و هل على الدولة أن تُعيد النظر في أساليب تكوين رجال الشرطة بالمعاهد المختصة بشكل ينتج رجال شرطة على درجة عالية من الصرامة و القسوة لإستعادة هيبة القانون و رجال إنفاذه؟
إنها تساؤلات لا تلقي اللوم على أحد، لكنها تساؤلات ضرورية لكشف الأسباب التي أدت إلى الاستهتار بمكانة الشرطي، كعنوان للأمن و السلامة، بل و التطاول على حياته بارتكاب جنايات فضيعة، إنها تساؤلات تحرض على الإجابة عنها وفق منظور متكامل الأبعاد، منظور يسعى في المقام الأول إلى حماية هيبة الدولة التي يمثلها رجال الشرطة الشرفاء، حتى لا تصبح الشرطة في حاجة لمن يحميها.

طانطاني 24 ¦ محمد العطلاتي