بقلم: فيصل رشدي
امتقع وجهي، غضبت، شعرت برعشة تسري في جسدي. سمعت الأعمى المتسول يبكي، ويقول: احتقرني الأوباش. حلق حوله نفر من الناس يواسونه. ركضنا كعادتنا أنا وعلي، حتى وصلنا المقاطعة. فقلت لعلي: هذا هو الفراق بيني وبينك، وداعا صديقي.
اتجهت شمالا، لكي أصل شارع الحسن الثاني، كانت المنازل بهية ذاك الصباح، انعرجت حول زقاق ضيق، فإذا بي أمام علال رفقة باهية، يحمل علال حقيبة سوداء.
قال لي علال بعد التحية : كنت أنت من تنقصنا للعملية، فنظر علال إلى وجه باهية، قال له: هيا بنا. اتجهنا مباشرة صوب منزل باهية، كانت نظرتي إلى المنازل إستثنائية،حز في نفسي رحيل الأحباب، تركوا الطانطان معلقا بين السماء والارض.
كنت أرى تلك المنازل، وأشعر بالرغبة في دخولها، كانت هناك رائحة للذكريات الرائعة.
لكن أهل الطانطان للأسف، كتب عليهم الرحيل. في الشارع الثانوي الذي يبعد عن الرئيسي بمائة متر، و على مقربة من منزل باهية، لفت أنظارنا نحن الثلاثة، نسوة يخطن الخيام. رمت إحداهن الكبة الخيوط، اتجاهي، فهمت المعنى، لأنه عندنا نحن البيظان إذن بدفع المال.
أدخلت يدي بكسل إلى جيبي، فأخرجت ورقة نقدية، سمعت المرأة العجوز تقول لي: نازلة عنك. ابتسم علال وباهية. دخلنا دار باهية التي كانت دارا راقية، لفحتنا رائحة بخور عماني، وصوت النساء، وأغنية محجوبة منت الميداح تقول: أبدى يا نبع عنك رحميني.
كلما دلفنا أكثر من الصالة، إلا ورائحة الكباب تقترب.
دخلنا الصالة نحن الثلاثة، رأينا الطفل الصغير، حليق الرأس، أبيض الوجه، يرتدي جلبابا أبيضا.
قال لي علال: ايه أنت أمسك الطفل من يديه وأنت يا باهية أمسكه من قدميه، فبدأ الطفل بالصراخ، تحرك بقوة، لكننا أحكمنا إمساكه بقوة. فأخرج علال لوازم الإعذار مقص وضمادات بيضاء: فقال علال للطفل: أنظر إلى السماء هناك طائر، نظر الطفل إلى السماء، لينهي علال عملية الإعذار تحت صرخة دوت كرصاصة الرحمة في منزل باهية.
تقدمت أمه اتجاهنا: قائلة هل نزف محمد دما.
قال لها علال: لا الحمد لله العملية تمت بسلام.
زغردت الأم وابتسم علال وباهية، علت الزعاريد المكان، وقرعت الطبول، فإذا بصوت أم المؤمنين يعلو.
رأيت الساعة، يشير العداد إلى الثانية عشرة زوالا، قلت في نفسي بقيت نصف ساعة، مر من أمامي نفر من الشباب يرتدون أقمصة خضراء وأحذية ملونة. عرفتهم إنهم النهضة الصحراوية: الريفي، أبوهان علي، عالي، أمزيان، عمر، محمد.
ألقوا علي التحية وانصرفوا، قال لي: عمر هل تريد أن تلعب معنا؟ فقلت له عفا الله عنا. رأيت فتى يصغرني بسنين يلقي ظرفا أصفر إلى فتاة في الشارع. قلت في نفسي رسائل الحب في طانطان لا تنتهي. كل أحداث هذه الرواية، هي من وحي خيال المؤلف، أي تشابه بين الأحداث والأشخاص، هو مجرد صدفة. يتبع…