طانطاني24 – الرباط
مع انطلاق مشاورات تشكيل الحكومة الجديدة، تتجه الأنظار إلى خريطة التحالفات التي ستحدد ملامح الأغلبية والمعارضة خلال الولاية التشريعية الجديدة، خصوصاً بعد تعيين فاطمة الزهراء المنصوري رئيسة للحكومة يوم 29 شتنبر 2026، وتكليفها بتشكيل الحكومة الجديدة.
وبينما تتداول بعض القراءات السياسية سيناريوهات تتحدث عن أغلبية من ستة أحزاب تضم الأصالة والمعاصرة والاستقلال والحركة الشعبية والاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية والتقدم والاشتراكية، فإن العودة إلى النتائج الرسمية النهائية للانتخابات التشريعية تفرض تدقيقاً في الأرقام المتداولة حول حجم المعارضة.
236 مقعداً للأحزاب المقترحة في الأغلبية
وفق النتائج النهائية التي أعلنتها وزارة الداخلية، حصل حزب الأصالة والمعاصرة على 97 مقعداً، والاستقلال على 65، والحركة الشعبية على 29، والاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية على 26، والتقدم والاشتراكية على 19 مقعداً. وبجمع هذه المقاعد، يصل مجموع هذه الأحزاب الخمسة إلى 236 مقعداً.
ويمنح هذا العدد، في حال تشكل التحالف فعلياً بهذه الصيغة، أغلبية مريحة داخل مجلس النواب، إذ يتجاوز بفارق كبير عتبة الأغلبية المطلقة المحددة في 198 مقعداً من أصل 395.
غير أن الوصول إلى هذا الرقم لا يعني بالضرورة أن خريطة المعارضة ستكون مكونة من 134 نائباً.
فإذا افترضنا أن الأحزاب الخمسة المذكورة شكلت أغلبية من 236 مقعداً، فإن مجموع المقاعد المتبقية خارجها يبلغ 159 مقعداً، وليس 134.
وهذا لا يعني بالضرورة أن النواب الـ159 سيشكلون معارضة موحدة، إذ إن التموقع السياسي والبرلماني لا يُحسم بمجرد عملية حسابية، بل يرتبط بالمفاوضات والقرارات الرسمية للأحزاب وبكيفية تشكيل الفرق والمجموعات النيابية.
ثلث المجلس يبدأ من 132 نائباً
تكتسب هذه الحسابات أهمية إضافية بالنظر إلى الأدوات الرقابية التي يمنحها الدستور للبرلمان.
وباحتساب ثلث مجلس النواب المكون من 395 عضواً، فإن العتبة المطلوبة تبلغ 132 نائباً. ويتيح الفصل 67 من الدستور طلب تشكيل لجنة نيابية لتقصي الحقائق من طرف ثلث أعضاء مجلس النواب، وفق الشروط والقيود المنصوص عليها دستورياً، من بينها عدم إمكانية تشكيل اللجنة بشأن وقائع موضوع متابعات قضائية جارية. كما يؤكد النظام الداخلي لمجلس النواب هذا المقتضى.
وبالتالي، فإن أي تموقع للمعارضة يتجاوز 132 نائباً سيكون قادراً، من حيث العدد، على بلوغ هذه العتبة دون الحاجة إلى توقيعات من نواب الأغلبية.
وينطبق الأمر كذلك على طلب عقد دورة استثنائية للبرلمان، إذ ينص الفصل 66 على إمكانية جمع البرلمان في دورة استثنائية بطلب من ثلث أعضاء مجلس النواب، على أساس جدول أعمال محدد.
كما ينص الفصل 101 على إمكانية طلب عرض رئيس الحكومة للحصيلة المرحلية لعمل الحكومة من طرف ثلث أعضاء مجلس النواب.
79 نائباً لتقديم ملتمس الرقابة.. و198 لإسقاط الحكومة
وفي المقابل، تحتاج المعارضة إلى التمييز بين تقديم ملتمس الرقابة وبين التصويت عليه.
فالفصل 105 من الدستور ينص على أن ملتمس الرقابة لا يقبل إلا إذا وقعه على الأقل خُمس أعضاء مجلس النواب، أي 79 نائباً في مجلس يتكون من 395 عضواً. لكن هذا العدد لا يعني إسقاط الحكومة.
فالموافقة على ملتمس الرقابة تتطلب تصويت الأغلبية المطلقة للأعضاء الذين يتألف منهم المجلس، أي 198 صوتاً. وإذا تمت المصادقة عليه، تترتب عنه استقالة الحكومة استقالة جماعية.
وهنا يظهر الفرق بين امتلاك القدرة على المبادرة الرقابية وامتلاك القدرة على إسقاط الحكومة.
فمعارضة من 134 نائباً، لو تحققت فعلاً، ستكون قادرة عددياً على بلوغ عتبة تقديم ملتمس الرقابة، كما ستتجاوز عتبة الثلث المطلوبة لعدد من الآليات الدستورية، لكنها لن تكون قادرة بمفردها على تمرير ملتمس الرقابة، لأنها ستحتاج إلى أصوات إضافية من خارج صفوفها للوصول إلى 198 صوتاً.
79 نائباً أيضاً للإحالة على المحكمة الدستورية
ومن الأدوات المهمة كذلك إمكانية إحالة القوانين إلى المحكمة الدستورية قبل إصدار الأمر بتنفيذها.
وينص الفصل 132 من الدستور على إمكانية الإحالة من طرف خُمس أعضاء مجلس النواب، وهو ما يعادل 79 نائباً في المجلس الحالي.
وبذلك، فإن كتلة معارضة تتجاوز 132 نائباً ستكون، من الناحية العددية، قد تجاوزت في الوقت نفسه مجموعة من العتبات الدستورية المهمة، من بينها ثلث المجلس لتقصي الحقائق والدورة الاستثنائية وطلب عرض الحصيلة المرحلية، وخُمس المجلس بالنسبة إلى الإحالة على المحكمة الدستورية وتقديم ملتمس الرقابة.
المشاورات لا تحسمها الأرقام وحدها
وتأتي هذه الحسابات في وقت تواصل فيه فاطمة الزهراء المنصوري مشاورات تشكيل الحكومة، بعدما عينها الملك محمد السادس رئيسة للحكومة وكلفها بتشكيل الحكومة الجديدة.
وبحسب النتائج الرسمية النهائية، يتصدر الأصالة والمعاصرة بـ97 مقعداً، يليه التجمع الوطني للأحرار بـ66، ثم الاستقلال بـ65، فالعدالة والتنمية بـ54، والحركة الشعبية بـ29، والاتحاد الاشتراكي بـ26، والتقدم والاشتراكية بـ19، فيما تتوزع باقي المقاعد على عدد من الأحزاب الأخرى.
وعليه، فإن الحديث عن أغلبية تضم خمسة أحزاب بمجموع 236 مقعداً يظل، في هذه المرحلة، سيناريو سياسياً يحتاج إلى أن تؤكده مخرجات المشاورات والاتفاقات الرسمية، وليس توزيعاً نهائياً معلناً.
أما الحديث عن معارضة من 134 نائباً، فيحتاج بدوره إلى توضيح المقصود بالضبط: هل يتعلق الأمر فقط بالأحزاب المصنفة رسمياً في المعارضة؟ أم بكتلة سياسية أوسع تستثني منها 25 مقعداً باعتبارها مساندة نقدية أو غير منخرطة في المعارضة الصريحة؟
فالفرق بين الاحتمالين مهم، لأن الحساب البرلماني النهائي يتغير تبعاً لطبيعة تموقع كل حزب ونائب.
الأغلبية العددية مقابل التماسك السياسي
وتكشف هذه الأرقام أن التحدي أمام الحكومة المقبلة لا يتعلق فقط بتأمين 198 مقعداً لضمان الأغلبية المطلقة، بل أيضاً بتحديد قواعد العمل داخل التحالف الحكومي.
فكلما تعددت مكونات الأغلبية، برزت الحاجة إلى اتفاق سياسي واضح بشأن الأولويات الحكومية، وآليات التنسيق، وتدبير الاختلافات داخل البرلمان، حتى لا تتحول الخلافات بين الشركاء إلى مواقف متباينة عند التصويت على القوانين والبرامج.
وفي المقابل، فإن قوة المعارضة لن تتحدد بعدد المقاعد فقط، بل بقدرتها على التنسيق في استعمال الأدوات الدستورية والبرلمانية، مع احتفاظ كل حزب بمواقفه وبرنامجه السياسي.
وتبرز هنا خصوصية المرحلة الجديدة: فالمعارضة، إذا تجاوزت عتبة الثلث، ستكون في موقع يسمح لها باستخدام عدد من الآليات الرقابية الدستورية دون الحاجة إلى الاستعانة بالأغلبية، بينما تظل إسقاط الحكومة عبر ملتمس الرقابة رهيناً بتأمين 198 صوتاً.
وبذلك، فإن 236 مقعداً قد تمنح الأغلبية هامشاً عددياً واسعاً، بينما يجعل تجاوز عتبة 132 نائباً المعارضة قادرة على تفعيل أدوات رقابية مهمة.
لكن الحسم الحقيقي سيأتي مع الإعلان الرسمي عن التحالفات والتموقعات البرلمانية، لأن الأرقام الانتخابية تحدد نقطة البداية، فيما تحدد المواقف والتصويت والتحالفات البرلمانية شكل الممارسة السياسية خلال الولاية المقبلة.
طانطاني24 – هيئة التحرير

التعاليق (0)