التسريب الذي خرج من احد اجتماعات لجنة الاخلاقيات لا يمكن اعتباره مجرد زلة ادارية فقط لقد كان لحظة تعرية كاملة لوطن مهني فقد مقومات السيادة قبل ان يفقد مؤسساته. المشهد لم يكن صادما في ذاته بل في ما كشفه من هشاشة بنيوية|| مهنة كاملة تعيش بمنطق الطوارئ، وتدار من خارجها اكثر مما تدار من داخلها، ويؤدي فيها الصحافيون دور “المقيمين” عوض أن تمنح لهم صفة “مواطنين”، بمعنى بطاقة إقامة مهددين بسحبها في أية لحظة بدل منحهم جنسية دائمة.
هذه ليست ازمة اخلاقية ولا فضيحة ادارية؛ هذه ازمة وطن مهني لا يملك حدوده ولا قراره ولا حتى تعريفه لذاته .
في هذا الوطن المسمى الصحافة تتساقط المدن المهنية واحدة تلو اخرى. النقابة تسقط كمدينة فقدت حرسها الليلي، تتحرك بلا روح ولا مشروع، وتكتفي بادارة ما تبقى من رصيد تاريخي مستهلك، تحولت إلى حي قصديري ينتظر الإفراغ.. المجلس المؤقت يشبه مهاجرا سريا وقحا، يعيش في وضع قانوني رمادي، لا يستطيع ان يصدر احكاما ولا ان يؤسس قواعد، لكنه يقدم خدمات تحت الطاولة.. والوزارة الوصية بدورها تتحرك كعاصمة تراقب من بعيد، تمسك بالخيوط دون ان تتحمل مسؤولياتها وتفضل ترك الخراب يتراكم عوض اعادة رسم المشهد.
لكن ازمة الوطن المهني لا تنبع من ضعف مؤسساته فقط، بل من القوى التي تحكمه دون ان تظهر على منصة الحكم. لوبيات السياسة تمسك برقبة الاشهار، فتصنع اعلاما مطيعا وتميت اعلاما مزعجا. لا شيء يذل مؤسسة صحافية مثل موت مالي بطيء، يختنق معها الخط التحريري، ويتحول القرار المهني الى قرار حسابي. الاشهار لم يعد سوقا تنافسيا، بل اداة هندسة سياسية تضمن مكافأة الطاعة وحجب الهواء عن المخالفين.
والدولة بدورها تدير جزءا من هذه السيادة الضائعة. الدعم العمومي لم يعد سياسة تنظيمية، بل اداة ضبط غير معلنة. التعيينات في المجالس المهنية لا تخضع دائما لمنطق الكفاءة، بل لمنطق “ضبط الايقاع”. الدولة تريد اعلاما محترفا حين يخدم سرديتها، لكنها لا تريد اعلاما مستقلا بما يكفي لاستجواب خياراتها. وهذه ازدواجية تشبه دعوة الى الحرية مع حراسة مشددة للباب الخلفي.
ووسط هذا المشهد، يظهر مشروع جديد يكشف درجة انعدام السيادة المهنية: مشروع يهيئ لتنصيب “ابن شرعي” للمهنة، ليس بوصفه اختيارا ديمقراطيا، بل باعتباره اقطاعيا جديدا يستمد شرعيته من حساباته البنكية. المشروع يقوم على منطق مخجل: من يملك اكثر هو الاحق بالسلطة. ليس بالكفاءة ولا بالخبرة ولا بالشرعية المهنية، بل بالمال وحده.
هكذا تتحول الصحافة من وطن مهني الى ضيعة، ويتحول المسؤول المهني من ممثل لقطاع كامل الى “مالك” يفرض منطقه و يقسم “المواطنين المهنيين” الى سادة و عبيد. ليست هذه ديمقراطية مهنية، بل نسخة حديثة من الاقطاع: سلطة يشتريها من يستطيع، ويخضع لها من لا يستطيع.
وسط هذه المنظومة المتشابكة، يعيش الصحافي المغربي كمواطن فاقد لاوراق اقامته. يعمل تحت سقف هش، ويتحرك داخل مهنة فقدت دستورها. بلا حقوق اجتماعية تحميه، بلا ضمانات قانونية ترد عنه العبث، وبلا مؤسسات يلجأ اليها اذا تعرض للتهديد او الطرد او الابتزاز.
كيف يمكن لصحافي يهدده اليوم عقد العمل، ويبتزه الغد عقد الاشهار، ويطارده مساء “مزاج مسؤول” و يحاصره قانون “بغريري”، ان يكون صوتا للحقيقة؟
المهنة هنا لا تمارس، بل تُمارس عليها القوة من كل الجهات.
والاخلاقيات، التي كان يفترض ان تكون دستور هذا الوطن المهني، تحولت الى نص جميل بلا دولة تحميه. مدونة معلقة على جدار مؤسسة لا تعترف بها فعليا، ومحكمة بلا صلاحيات، وهيئات فقدت شرعيتها الرمزية. الاخلاق ليست نصوصا، بل توازن قوى. وبدون سيادة مهنية لا يمكن لاي مدونة ان تكون اكثر من وثيقة بروتوكولية.
ازمة الصحافة في المغرب اليوم ليست ازمة محتوى ولا ممارسات، بل ازمة سيادة: من يحكم هذا الوطن المهني؟ من يحدد مستقبله؟ من يعيد للصحافي مكانته كمواطن بدل أن يظل عاملا مؤقتا في دولة مهنية فاقدة للسيادة؟
اعادة بناء هذا الوطن تتطلب اعلان استقلال جديد: استقلالا ماليا يفصل الاشهار عن السياسة، وتنظيما يقيم مجلسا منتخبا لا معيّنا، ونقابة تستعيد مشروعيتها، وحقوقا اجتماعية تجعل الصحافي قادرا على قول لا دون خوف، ودستورا اخلاقيا يستعيد سلطته المفقودة.
ستظل هذه الاصلاحات مجرد امنيات اذا لم نواجه السؤال الجوهري:
هل يقبل الصحافيون اليوم العيش في وطن مهني بلا سيادة؟
ام ان الوقت قد حان كي يستعيدوا حقهم في المواطنة المهنية الكاملة؟
لان اخطر ما يمكن ان يحدث لمهنة ما هو ان تتعود العيش بلا سيادة، وان ترى الاحتلال الناعم ماليا وسياسيا واخلاقيا على انه وضع طبيعي.
في اللحظة التي تفقد فيها المهنة حساسيتها تجاه الحرية، يبدأ الوطن المهني في التلاشي بصوت مكتوم إلى درجة الصمت و الموت البطيء لدور الاعلام نفسه.
وطن مهني بلا سيادة ليس ازمة قطاع، بل مرآة لوطن اكبر يوشك هو ايضا ان يفقد تدريجيا حساسيته تجاه الحرية.
✍️ طانطاني 24 – المواطنة ميمونة الحاج داهي