أسقطت الطائرات الأمريكية من طراز B-2 عددًا من القنابل الخارقة للتحصينات على منشأة فوردو، وهي من أهم المنشآت النووية في إيران. كما شنت أمريكا ضربات صاروخية على منشأتين نوويتين أخريين في نطنز وأصفهان، باستخدام صواريخ كروز أطلقت من غواصات.
وكانت “إسرائيل”، التي دخلت في حرب مع إيران منذ 13 يونيو، تضغط على ترامب للقيام بذلك، فيما كان الشرق الأوسط في حالة ترقب مشحونة.
الآن يلوح في الأفق سؤالان حاسمان: ما حجم الضرر الذي لحق بالبرنامج النووي الإيراني، وكيف – أو إذا ما كانت – إيران سترد على أمريكا؟
ستساعد الإجابة عن هذين السؤالين في تحديد ما إذا كانت هذه الضربة حدثًا منفردًا وربما بداية لنهاية الحرب الإسرائيلية، أم أن الولايات المتحدة قد تُجر إلى صراع أوسع.
في خطابه من البيت الأبيض، قال ترامب إن البرنامج النووي الإيراني قد “تم تدميره بالكامل وبشكل تام”.
لكن ذلك قد يعد مبالغة؛ إذ أن إيران تمتلك خبرات تراكمت على مدى عقود يصعب القضاء عليها. ومع ذلك، فإن تدمير منشأة فوردو، إن تحقق، يعني أن البرنامج النووي الإيراني قد تأخر بشكل كبير. ففوردو هي واحدة من منشأتين كانتا تُستخدمان لتخصيب اليورانيوم بدرجات قريبة من المستوى المستخدم في الأسلحة. أما المنشأة الأخرى، في نطنز، فقد تعرضت لأضرار من ضربات إسرائيلية سابقة. وإذا كانتا قد دُمرتا كلتاهما، ستفقد إيران قدرتها على التخصيب واسع النطاق.
فوردو مدفونة تحت جبل بعمق حوالي 400 متر من الصخور، وقد كان بعض القادة العسكريين يشككون في قدرة قنبلة GBU-57، التي تزن 13 طنًا وتُعد الأكبر في الترسانة الأمريكية، على اختراق هذا العمق لتدمير المنشأة. ولهذا السبب ألقت أمريكا عددًا كبيرًا منها. وسينتظر المحللون صور الأقمار الصناعية لتقييم حجم الضرر. ومع ذلك، فإن لم تُدمر قاعة التخصيب نفسها، فقد تكون الصدمة الناتجة عن القنابل كافية لتدمير الأجهزة الحساسة داخلها.
ولا يزال وضع مخزون إيران من اليورانيوم عالي التخصيب غير واضح. إذ كانت إيران تحتفظ بجزء كبير منه في أنفاق أصفهان، وقد هدفت الضربة الأمريكية على الأرجح إلى تدمير مداخل تلك الأنفاق. لكن مسؤولين إيرانيين لمحوا قبل الضربة إلى أنهم نقلوا بعض المخزون إلى أماكن أخرى.
بعد ساعات من الضربة الأمريكية، أطلقت إيران وابلاً من الصواريخ الباليستية على “إسرائيل”، مما دفع السكان إلى التوجه إلى الملاجئ.
من جانبه، وصف وزير الخارجية الإيراني، عباس عراقجي، الهجوم الأمريكي بأنه “شائن وستكون له تبعات دائمة”، وأضاف أن الضربات الأمريكية “إجرامية” وأن “لإيران الحق الكامل في الدفاع عن نفسها”.
إلى جانب مواصلة الهجمات على “إسرائيل”، لدى النظام الإيراني عدة خيارات – جميعها خطرة. يمكنه إطلاق طائرات مسيرة وصواريخ على قواعد أمريكية في الشرق الأوسط، أو استهداف حلفاء أمريكا كحقول النفط السعودية أو ناطحات السحاب في دبي. كما يمكنه محاولة إغلاق مضيق هرمز، الذي تمر عبره ثلث إمدادات النفط المنقولة بحرًا، ما قد يؤدي إلى ارتفاع حاد في أسعار النفط.
لكن أي من هذه الخطوات قد تكون انتحارية، لأنها قد تثير ردًا أمريكيًا أعنف. المرشد الأعلى، علي خامنئي، يريد الانتقام – لكنه يريد أيضًا بقاء نظامه. وبينما تدرس إيران ردها، قد تتحرك ميليشياتها.
السيناريو الأمثل هو أن تكتفي إيران برد رمزي، كما فعلت في عام 2020 عقب اغتيال ترامب لقائد “فيلق القدس” قاسم سليماني. حينها، قد يدفع ترامب “إسرائيل” إلى إنهاء الحرب ويدعو إيران إلى العودة إلى طاولة المفاوضات بشأن اتفاق نووي جديد.
وقال ترامب في خطابه: “يجب على بلطجي الشرق الأوسط أن يصنع السلام الآن. وإن لم يفعل، ستكون الضربات القادمة أشد وأسهل تنفيذًا.”
هذا أسلوب ترامب المفضل: التصعيد من أجل التهدئة. وقد حاول بعض المسؤولين الإيرانيين التقليل من حجم الأضرار التي لحقت بالمنشآت النووية، وهو ما قد يُفهم على أنه مؤشر لرغبتهم في تجنب تصعيد كبير. لكن هناك من سيضغط في طهران باتجاه رد أقوى، ما قد يدخل الولايات المتحدة في دوامة من التصعيد المتبادل.
من جهته، قال ستيف بانون، كبير مستشاري ترامب سابقًا، إن أمريكا “تثير عش الدبابير”. لكن معظم الجمهوريين دعموا الضربة أو ظلوا صامتين أو حذرين. وقد أبدى زعيم الجمهوريين في مجلس الشيوخ دعمه للرئيس، لكن بتحفظ، وقال السيناتور روجر ويكر، رئيس لجنة القوات المسلحة، إن “أمريكا تواجه خيارات خطيرة للغاية في المستقبل القريب”. أما الديمقراطيون، فقد هاجموا الرئيس بشكل رئيسي لأنه نفذ الهجوم دون تفويض من الكونغرس.
واشنطن تريد صفقة تتخلى بموجبها إيران عن حقها في تخصيب اليورانيوم، وهو ما رفضته طهران – خلال شهرين من المحادثات قبل الحرب، وأيضًا في اجتماعها مع الدبلوماسيين الأوروبيين في جنيف يوم 20 يونيو.
بدلاً من الرد العسكري الكبير، قد تعمد إيران إلى تسريع مشروعها النووي سرًا. قد تنسحب من معاهدة عدم الانتشار النووي، وتطرد المفتشين الدوليين، وتعيد بناء منشآتها في الخفاء. وقد تحدث مسؤولون إيرانيون في وقت سابق من هذا الشهر عن إنشاء منشأة تخصيب ثالثة. وإذا كانت إيران قد أخفت مخزونًا نوويًا وأجهزة طرد مركزي، فقد تُغريها فكرة إنتاج سلاح نووي بدائي بسرعة.
في الوقت الراهن، نجحت ضربة ترامب في تأخير الطموحات النووية الإيرانية. لكن تبعات الهجوم الأمريكي المباشر على إيران خطيرة وغير متوقعة. فقد يؤدي إلى تصعيد يُجبر ترامب على الرد، أو إلى زعزعة النظام الإيراني بشكل يُحدث فوضى في المنطقة. وقد تفتح هذه الضربات بابًا للمفاوضات يُنهي خطر القنبلة الإيرانية ويُنهي عزلة طهران. أو، في أسوأ الأحوال، تُبقي النظام الإيراني قائمًا ومُحاصرًا، وأكثر تصميمًا على امتلاك سلاح نووي سري، مما يدفع أمريكا إلى خوض حملة عسكرية طويلة الأمد لاحتواء الخطر.
المصدر: وكالات